
فكلمة زوج جاءت في القرآن الكريم بمعنى الصنف أو القرين من الذكر والأنثى أو غيرهما قال تعالى ( اسكن أنت وزوجك الجنة)( وجعل منها زوجها ) (اسكن أنت وزوجك الجنة )( احشروا الذين ظلموا وازواجهم ) (سبحان الذي خلق الأزواج كلها ) ( ومن كل شيء خلقنا زوجين اثنين ) ( من كل زوج كريم ) ( ثمانية أزواج ) (وكنتم أزواجا ثلاثة ) ( وزوجناهم بحور عين ) أي قرناهم بهم وجاء بمعنى المرأة التي تخص الرجل بعقد نكاح قال تعالى والذين يتوفون ويذرون أزواجا ) ( يا أيها النبي قل لأزواجك ) ( إنا أحللنا لك أزواجك ..) ( ولكم نصف ما ترك أزواجكم ) ( وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثا )
بينما كلمة المرأة معناها في اللغة مختلف تماما فكلمة المرأة في معنى العلو والارتفاع من جهة ومعنى الإنسانية من جهة أخرى فمبنى هذه الكلمة على ذلك قال الخليل بن أحمد الفراهيدي
والأَمِرة : البَرَكة وامرأة أَمِرةٌ أي مباركة على زوجها وأَمِرَ الشيء أي كَثُرَ
والإِمَّرة : الأُنثى من الحُمْلان والإِمَّرُ الضعيف من الرجال قال امرؤ القيس
وأَمِرَ وَلَدَها أي كَثُرَ ما في بَطْنها وأَمِرَ بنو فلان أمارة أي كثروا وكَثُرَت نَعَمُهم
مرء : المَريء : رأس المَعِدَة والكَرِش اللاّزق بالحُلْقوم وهو مجرى الشراب والطعام وهو أحمر مستطيل جوفه أبيض ومريء الطعام أضيق من الحُلْقوم
والمُروءة : كمال الرُّجوليّة وقد مَرُؤَ الرجل وتمرّأ إذا تكلَّف المُروءة وهو مريءٌ بيِّنُ المروءة
ومَرُؤَ الطعام وهو مريء بيِّنُ المَراءة ويقال ما كان الطعام مريئاً وقد مَرُؤَ مَراءة واستمرأ وهذا الشيء يُمْرِئني الطعام
والمرأة : تأنيث المَرْء
وقال ابن منظور في لسان العرب : وحكى ابن الأَعرابي أَنه يقال للمرأَة إِنها لامْرُؤُ صِدْقٍ كالرَّجل قال وهذا نادر وفي حديث عليٍّ كَرَّمَ اللّهُ وجهه لما تَزَوَّج فاطِمَة رِضْوانُ اللّه عليهما قال له يهودي أَراد أَن يبتاع منه ثِياباً لقد تَزَوَّجْتَ امْرأَةً يُرِيد امرأَةً كامِلةً كما يقال فلان رَجُلٌ .
هذا من حيث اللغة العربية أما من حيث الاستخدام في القرآن الكريم فقد جاءت كلمة مرأة أو امرأة لكل أنثى تخص الرجل سواء كانت أمة أو أخته أو زوجته أو بنته أو غير ذلك . قال تعالى ( وإن امراءة خافت من بعلها نشوزا ...) والمقصود الزوجة .(وامرأة العزيز ) ( ولم يلتفت منكم أحد إلا امرأتك.)قال تعالى (وامرأته حمالة الحطب ) وقال (ووجد من دونها امرأتين تذودان ..) وغير ذلك من الأيات
فالظاهر والله أعلم أنه إذا كان المقصود بالآية الكريمة التعبير عن العلاقة الزوجية أو الترابط بين الرجل والمرأة جاء التعبير بالزوجية وأما إذا كان المقصود بالتعبير ما يخص الرجل أو ما يلحق به من المسؤولية تجاه المرأة أو جنس النساء من دون قصد للعلاقة التي بينهما جاء التعبير بالمرأة
فالمرأة تساوي الرجل في الإنسانية والتكاليف الشرعية وهي تأنيث مرء أو يكون المقصود الزوجية ولكن تكون هذه العلاقة ضعيفة وغير متينة أو تقوم على غير الأسس التي يريدها الله تبارك وتعالى ولذلك أكثر الحديث في كلمة امرأة اذا كان المقصود الزوجية تكون في علاقات بين كافرين أو مسلم وكافر أو غير متوافقين .فإذا تعطلت الحياة بين الرجل والمرأة في حياتهما الزوجية من السكن والمودة والرحمة بخيانة أو تباين في العقيدة أو بعقم أو ترمل ، فالبيان القرآني يستعمل : إمرأة لا زوج
وقوله تعالى : (( امْرَأَةَ نُوحٍ وَامْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا )) [ التخريم : 10 ]
وقوله جل جلاله : (( وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا )) [ مريم : 5 ] وقوله وامرأته حمالةت الحطب وغير ذلك....

نلاحظ في الآية الكريمة أن هناك إشارة صريحة إلى أن الوهن والضعف هو في بيت العنكبوت وليس في خيوط العنكبوت ، وهي إشارة دقيقة جداً ، فخيوط بيت العنكبوت حريرية دقيقة جداً, يبلغ سمك الواحدة منها في المتوسط واحداً من المليون من البوصة المربعة, أو جزءاً من أربعة آلاف جزء من سمك الشعرة العادية في رأس الإنسان, وهي على الرغم من دقتها الشديدة فهي أقوى مادة بيولوجية عرفها الإنسان حتى الآن، وتعتبر الخصلات الحريرية التي تكون نسيج العنكبوت أقوى من الفولاذ (سبحان الله)، ولا يفوقها قوة سوى الكوارتز المصهور، ويتمدد الخيط الرفيع منه إلى خمسة أضعاف طوله قبل أن ينقطع، ولذلك أطلق العلماء عليه اسم "الفولاذ الحيوي" أو "الفولاذ البيولوجي"، وهو أقوى من الفولاذ المعدني العادي بعشرين مرة، وتبلغ قوة احتماله 300.000 رطلاً للبوصة المربعة، فإذا قُدِّر /جدلاً/ وجود حبل سميك بحجم إصبع الإبهام من خيوط العنكبوت فيُمْكِنه حَمل طائرة "جامبو" بكل سهولة
وعندما يفقس البيض تخرج صغار العنكبوت فتجد نفسها في مكان شديد الازدحام بالأفراد داخل كيس البيض, فيبدأ الإخوة الأشقاء في الاقتتال من أجل الطعام أو من أجل المكان أو من أجلهما معاً ، فيقتل الأخ أخاه وأخته, وتقتل الأخت أختها وأخاها حتى تنتهي المعركة ببقاء عدد قليل من العناكب التي تنسلخ من جلدها, وتمزق جدار كيس البيض لتخرج الواحدة تلو الأخرى, والواحد تلو الآخر بذكريات تعيسة, لينتشر الجميع في البيئة المحيطة وتبدأ كل أنثى في بناء بيتها, ويهلك في الطريق إلى ذلك من يهلك من هذه العناكب ..ومن ينجو منها يكرر نفس المأساة التي تجعل من بيت العنكبوت أكثر البيوت شراسة ووحشية وانعداماً لأواصر القربى, ومن هنا ضرب الله تعالى به المثل في الوهن والضعف لافتقاره إلى أبسط معاني التراحم بين الزوج وزوجه, والأم وصغارها, والأخ وشقيقه وشقيقته, والأخت وأختها وأخيها..!!
فسبحان الخالق العظيم
تعد قضية ذبح الحيوان التي يأمر بها الإسلام قبل الإفادة من لحم الحيوان – الذي أحله الله – من جملة القضايا الساخنة التي يثيرها أعداء الإسلام بحقد للتشكيك في شرائعه وأحكامه؛ جهلا منهم بطبيعة الأوامر الربانية التي لا يأتيها الباطل ولا يعتريها النقص والخلل. وكثيرا ما دارت معارك كلامية وحوارات مفتعلة مع الأقليات المسلمة، في كل من بريطانيا،وأمريكا،وفرنسا،وغيرها حول هذه القضية. وتعد جمعية الرفق بالحيوان في هذه البلدان وغيرها من ابرز الجمعيات التي تثير هذه القضية، وتستنكرها، وتظهر مناظر الأغنام بعد قيام المسلمين بذبحها وهي ترفس بأطرافها وتتلوى من الألم ؛ متهمة القائمين بذلك بالوحشية والهمجية، وهذا – بالإضافة إلى كونه من مظاهر الحقد والتشويه – يعد جهلا مركبا بما توصل إليه العلم الحديث في هذا المجال من الحقائق الدامغة. ولا يضر دين الله الحق المنزل على رسول الله (صلى الله عليه و سلم) كل هذه الافتراءات، فهو أسمى من أن تنال من حكمته السامية هذه الافتراءات الحاقدة وغيرها، فضلا من أن تضع أحكام الإسلام وشرائعه الربانية موضع الشك والاتهام، خاصة وان التقدم العلمي يقدم الأدلة الواضحة على صحة تلك الشرائع الربانية، وحكمتها السامية، ومن ذلك ما نسمعه من كلام أهل الاختصاص في قضية ذبح الحيوان المقررة شرعا. ولتجلية فوائد ذبح الحيوان طبيا قبل الإفادة من لحمه وبقية أجزائه، قامت الإعجاز بعقد حوار علمي مع الدكتور جون هونوفر لارسن أستاذ قسم البكتريا في مستشفي غيس هوسبيتال – المستشفى الرسمي – اكبر مستشفيات كوبنهاجن نوجزه فيما يلي. الإعجاز: ماذا تقول يا دكتور في أكل لحم الميتة من حيث فائدته الصحية؟ هي مستودع للجراثيم، ومستودع للأمراض الفتاكة، والقوانين في أوربا تحرم أكل الميتة. الإعجاز: إذا تركنا غراما من الدم وغراما من اللحم في مكان مكشوف ثم أردنا استعمال كلٍ منهما بعد ثلاث ساعات أو أربع ساعات تقريبا..فهل من ضرر سيحدث من جراء ذلك؟ نعم.. ضرر كبير،أما الدم فان الجراثيم الممرضة ربما انتقلت إليه عبر السكين التي ذبح بها الجزار،أو عبر الهواء المحيط، أو قد تنتقل من مصدر مجاور؛فإذا انتقل عدد من الجراثيم إلى الدم فإن الجرثومة الواحد تتضاعف هندسيا كل نصف ساعة،فتتوالد الجرثومة الواحدة إلى اثنتين. ولو اعتبرنا أن 1000 جرثومة انتقلت إلى هذا الغرام من الدم فإنها تصبح بعد نصف ساعة 2000، وبعد ساعة واحدة يرتفع العدد إلى 4000، وبعد ساعة ونصف تصبح 8000 جرثومة، ثم يرتفع عدد الجراثيم إلى 16000 جرثومة بعد ساعتين، وبعد ثلاث ساعات يكون العدد وصل إلى 64000 جرثومة تغزوا هذا الغرام الواحد من الدم. ومعلوم أن الدم أصلا توجد فيه كميات هائلة من الجراثيم،بل انه بعد وفاة الحيوان يصبح ملوثا ضارا جدا بصحة الإنسان، إذا تم شربه، أو حفظة في مكان ثم شربه بعد ذلك. الإعجاز: وماذا بشان قطعة اللحم؟ بالنسبة لقطعة اللحم فان الجراثيم تبدأ بغزو السطح الخارجي عبر التهام الطبقة الصلبة التي يصعب على الجراثيم اختراقها، عندها تبدأ بالتهام ما يوجد في الطبقة الصلبة؛ فيتناقص عنها الغذاء ويموت عدد كبير منها لعدم قدرتها علي التكاثر بسرعة.فإذا أراد الطباخ أن يطبخ هذه القطعة من اللحم فانه يقوم بغسلها من الخارج؛وعندها تكون كمية الجراثيم قد أزيلت بهذه العملية، ثم بالطبخ يتم القضاء علي كمية أخرى من الجراثيم. الإعجاز: ولحم الخنزير ماذا تقول فيه؟ أنني أقود معركة في بلادي ضد أكل لحم الخنزير لأني اكتشفت جرثومة جديدة اسمها (يارسينا)، وهذه الجرثومة لا توجد إلا في الخنزير فقط، ولا تعيش إلا في درجة منخفضة جدا هي –40 م، وهذه الجرثومة يصاب بها كثير من الأوربيين، وكثير من إصابات العمود الفقري والمفاصل ترجع إلى هذه الجرثومة. الإعجاز: هل هناك خطورة من تناول لحم الحيوان الذي يموت خنقا؟ قوانيننا الآن تحرم أكل لحم الحيوان إذا مات مختنقا. الإعجاز: لماذا؟ لقد اكتشفنا مؤخرا أن هناك علاقة بين الأمراض التي يحملها هذا الحيوان الذي يموت مختنقا وبين صحة الإنسان. الإعجاز: كيف ذلك؟ يعمل جدار الأمعاء الغليظة للحيوان كحاجز يمنع انتقال الجراثيم من الأمعاء الغليظة – حيث توجد الفضلات – إلى جسم الحيوان والي دمه طالما كان الحيوان على قيد الحياة. ومعلوم أن الأمعاء الغليظة مستودع كبير للجراثيم الضارة بالإنسان، والجدار الداخلي لهذه الأمعاء يحول دون انتقال هذه الجراثيم إلى جسم الحيوان، كما أن في دماء الحيوان جدار أخر يحول دون انتقال الجراثيم من دم الحيوان. فإذا حدث للحيوان خنق فانه يموت موتا بطيئا. وتكمن الخطورة في هذا الموت البطيء عندما تفقد مقاومة الجدار المغلف للأمعاء الغليظة تدريجيا مما يجعل الجراثيم الضارة تخترق جدار الأمعاء إلى الدماء والى اللحم المجاور. ومن الدماء تنتقل هذه الجراثيم مع الدورة الدموية إلى جميع أجزاء الجسم لان الحيوان لم يمت بعد، كما تخرج من جدار الدماء إلى اللحم بسبب بقص المقاومة في جدر هذه الأوعية الدموية فيصبح الحيوان مستودعا ضخما لهذه الجراثيم الضارة. ثم تفتك هذه الجراثيم المتكاثرة بصحة الحيوان حتى الموت، وموته في هذه الحالة يعني وجود خطر كبير في جسد هذا الكائن الذي يموت مختنقا. الإعجاز: هل هناك تشابه في الخطورة بين موت الحيوان خنقا وبين موته ضربا؟ نعم.. يصاب هذا الحيوان كذلك بالموت البطيء كالمختنق تماما فيقع له ما وقع للمختنق؛ وزيادة على ذلك فان الضرب يتسبب في تمزيق الأوعية الدموية في مكان الضرب،كما يمزق الخلايا فيه، فيختلط تركيب الدماء مع تركيب الخلايا مما يتسبب في حدوث تفاعلات للمواد السامة الضارة. ولذلك تلحظ وجود تورم يقع في مكان الضرب إن هذا التورم الحادث سببه وجود التفاعلات الكيميائية الضارة التي أصبحت مولدات لمواد سامة إلى جانب التسلخ الذي يحدثه الضرب بجسم الحيوان. وبهذا يصبح الحيوان الذي مات من الصرب مستودعا للجراثيم الضارة وخطرا علي صحة الإنسان. الإعجاز: قد يموت الحيوان بطريقة أخرى كأن يتردى من مكان عال.. فماذا تقول في أكل لحمه بعد موته بهذه الطريقة؟ الحيوان الذي يموت بهذه الطريقة تكون حالته مثل حالة الذي مات بالضرب، ففي مكان السقوط يحدث التمزق ويبدأ بالموت موتا بطيئا.. وحتى لو مات مباشرة بعد السقوط فان الجراثيم تغزو الجسم بسرعة، ولذلك نجد أن العفونات سرعان ما تتصاعد من جسم هذا الكائن دليلا على ما يوجد فيه من جراثيم وميكروبات خطيرة. الإعجاز: هناك حيوانات تموت من اثر التناطح فيما بينها، فهل هناك من خطورة إذا تم الأكل من هذا الحيوان الذي يموت بهذه الطريقة؟ الموت بهذه الطريقة يشابه الذي يموت ضربا ولكنة اخطر،ففي الغالب أن الحيوان عندما ينطح بقرنه تتم عملية النطح في منطقة البطن، وبالأخص في الأمعاء، فيدخل القرن ملوثا بالجراثيم إلى الدماء في أمعاء الحيوان الأخر، وتجري الدماء في جسمه، ثم يموت تبعا لذلك. ويشكل تناول لحم الحيوان في هذه الحالة خطرا محققا على صحة الإنسان. الإعجاز: إذا افترس السبع حيوانا ما، فما تقول يا دكتور في تناول شئ من لحمه بعد أن مات بهذه الطريقة؟ معلوم أن مخالب السبع مملوءة بالجراثيم،فإذا غرسها في جسم هذا الحيوان سارت تلك الجراثيم في دمه؛عندها يموت الحيوان ببطئ ويصبح مستودعا للجراثيم الضارة. الإعجاز: ماذا تقول يا دكتور إذا تعرض الحيوان لأي من الطرق السابقة ولكنه بقى حيا ثم قمنا بذبحه قبل أن يفارق الحياة؟ بهذه الطريقة نكون قد استخلصنا المصدر الأساسي لنقل هذه الجراثيم وهو الدم، ولا يمكن بعدها السماح بانتقالها إلى الأعضاء. وإذا ذبح الحيوان قبل موته تخلص الجسم من هذه المادة التي تسبب انتقال هذه الجراثيم إليه ؛ لان الدم هو السائل الحيوي المهم في جسم الكائن الحي والذي يستطيع مقاومة ملايين الطفيليات بما يحويه من كرات بيضاء وأجسام مضادة مادام الكائن حيا وفي درجة حرارته الطبيعية، فإذا مات الحيوان وتوقف الدم عن الجريان أصبحت الميكروبات بدون مقاومة، وفي هذه الحالة يكون اسلم الطرق هو الإراقة الكاملة لهذا الدم، وإخراجه من الجسم في أسرع وقت ممكن. الإعجاز: إذا قمنا بذبح الحيوان وقطع أوردته وبعد أن يسيل الدم منه، فهل يشعر الحيوان بالألم من جراء ذلك؟ الجواب بسيط.. اضغط على أي شخص أمامك في هذا المكان – ويشير إلى مكان ذبح الشاة – تجده قد أغمى عليه بعد لحظات. وقد اكتشف العلم أن مراكز الإحساس بالألم تتعطل إذا توقف ضخ الدم عنها لمدة ثلاث ثوان فقط، لأنها بحاجة إلى وجود أكسجين في الدم باستمرار. الإعجاز: كيف تقول يا دكتور إن هذا الحيوان لا يحس بالألم مع أننا تراه يرفس ويتحرك ويتلوى ويتخبط؟ ابتسم الدكتور وقال هذا سببه أن الجهاز العصبي لا يزال حيا، وما تزال فيه حيوية، ولم يفقد منه غير وعيه فقط. وفي هذه الحالة مادمنا لم نقطع العنق فإننا لم نعتد على الجهاز العصبي فتظل الحياة موجودة فيه،لكن الذي يحدث في عملية الذبح – أي بطريقة المسلمين – أن يبدأ الجهاز العصبي بإرسال إشارات من المخ إلى القلب طالبا منه إمداده بالدماء لأنها لم تصل إليه. وكأنه ينادي: لقد انقطعت عني الدماء.. أرسل إلينا دما أيها القلب، يا عضلات..أمدي القلب بالماء،أيها الجسم..اخرج الدماء فإن المخ في خطر. عندها تقوم العضلات بالضغط فورا ويحدث تحرك سريع للأحشاء والعضلات الداخلية والخارجية، فتضغط بشدة وتقذف بكل ما فيها من دماء، وتضخها إلى القلب،ثم يقوم القلب بدوره بالإسراع في دقاته بعد أن يمتلئ بالدماء تماما فيقوم بإرسالها مباشرة إلى المخ، ولكنها – بطبيعة الحال – تخرج للخارج ولا تصل إليه، فتجد الحيوان يتلوى، وإذا به يضخ الدماء باستمرار حتى يتفصى جسم هذا الحيوان تماما من الدماء..وبذلك يتخلص جسم هذا الحيوان من اكبر بيئة خصبة لنمو الجراثيم،واخطر مادة على الإنسان. الإعجاز: تقصد أن الحيوان المذبوح يفقد الحياة خلال ثلاث ثوان فقط إذا ذبح بالطريقة الصحيحة، وان ما نراه في الحيوان من رفس، وتشنج، وما شابه ذلك هي مؤثرات بقاء الحياة في الجهاز العصبي ولا يشعر الحيوان المذبوح بها على الإطلاق؟. نعم هذا صحيح. الإعجاز: لقد وردت كل هذه الأسرار الطبية والحكم الصحية في طيات هذا الكتاب العزيز الذي {لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد}.. ما من خير إلا دل عليه وما من شر إلا حذر منه. قال تعالى: {حُرّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَآ أُهِلّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدّيَةُ وَالنّطِيحَةُ وَمَآ أَكَلَ السّبُعُ إِلاّ مَا ذَكّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُواْ بِالأزْلاَمِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الأِسْلاَمَ دِيناً فَمَنِ اضْطُرّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنّ اللّهَ غَفُورٌ رّحِيمٌ} المائدة –3
إياك نعبد + وعلى الله فليتوكل المؤمنون + إلى الله تصير الأمور ليه يرد علم الساعة + وعنده مفاتح العيب + ونوحا هدينا من أسباب التقديم : القدم والأولية : عاد وثمود + عزيز حكيم الفضل والشرف : النبيين والصديقين + السمع والبصر + القوة والعزة حسب الرتبة : هماز مشاء بنميم + السميع العليم + الغفور الرحيم + الجباه والجنوب والظهور القلة والكثرة : الطائفين والعاكفين والركع السجود الكثرة والقلة : القنوت والسجود والركوع + كافر ومؤمن + ظالم ومقتصد + السارق والسارقة + الزانية والزاني مسائل متفرقة: النفع والضر + الرحمة والعذاب + فجاجا سبلا + قتلتم أو متم + متاعا لكم ولأنعامكم + نرزقكم وإياهم + ختم الله على قلوبهم لقد وعدنا هذا نحن وآباؤنا + ذلكم الله ربكم + جاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله + وترى الفلك مواخر فيه + ولقد صرفنا في هذا القرآن + لا يقدرون على شيء مما كسبوا + لتطمئن به قلوبكم + وما أهل به لغير الله + يخسف بكم الأرض تقسيمأحوال التقديم والتأخير على قسمين: أولاً: تقديم اللفظ على عامله: ومن هذا الباب تقديم المفعول به على فعله وتقديم الحال على فعله وتقديم الظرف والجار والمجرور على فعلهما وتقديم الخبر على المبتدأ ونحو ذلك. وهذا التقديم في الغالب يفيد الاختصاص فقولك (أنجدت خالداً) يفيد أنك أنجدت خالداً ولا يفيد أنك خصصت خالداً بالنجاة بل يجوز أنك أنجدت غيره أو لم تنجد أحداً معه. فإذا قلت: خالداً أنجدت أفاد ذلك أنك خصصت خالداً بالنجدة وأنك لم تنجد أحداً آخر. ومثل هذا التقديم في القرآن كثير: فمن ذلك قوله تعالى (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ . اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ" (الفاتحة) ، فقد قدّم المفعول به إياك على فعل العبادة وعلى فعل الاستعانة دون فعل الهداية قلم يقل (إيانا اهد) كما قال في الأولين، وسبب ذلك أن العبادة والاستعانة مختصتان بالله تعالى فلا يعبد أحد غيره ولا يستعان به. وهذا نظير قوله تعالى: "بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (66)" ( الزمر ) وقوله : "وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (172)" (البقرة) فقدم المفعول به على فعل العبادة في الموضعين وذلك لأن العبادة مختصة بالله تعالى. ** ومثل التقديم على فعل الاستعانة قوله تعالى: "وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (12)" (إبراهيم) وقوله: "على الله توكلنا ربنا" (الأعراف) وقوله: "عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (88)" (هود) فقدم الجار والمجرور للدلالة على الاختصاص وذلك لأن التوكّل لا يكون إلا على الله وحده والإنابة ليست إلا إليه وحده. ولم يقدم مفعول الهداية على فعله قلم يقل : (إيانا اهد) كما قال إياك نعبد، وذلك لأن طلب الهداية لا يصح فيه الاختصاص إذ لا يصح أن تقول: اللهم اهدني وحدي ولا تهد أحداً غيري أو خُصني بالهداية من دون الناس. وهو كما تقول: اللهم ارزقني واشفني وعافني. فأنت تسأل لنفسك ذلك ولم تسأله أن يخصك وحدك بالرزق والشفاء والعافية فلا يرزق أحدا غيرك ولا يشفيه ولا يعافيه. ** ومن هذا النوع من التقديم قوله تعالى: "قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آَمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (29)" (الملك) فقدم الفعل (آمنا) على الجار والمجرور (به)، وأخّر توكلنا عن الجار والمجرور (عليه) وذلك أن "الإيمان لما لم يكن منحصراً في الإيمان بالله بل لا بد معه من رسله وملائكته وكتبه واليوم الأخر وغيره مما يتوقف صحة الإيمان عليه، بخلاف التوكل فإنه لا يجوز إلا على الله وحده لتفرده بالقدرة والعلم القديمين الباقيين، قدّم الجار والمجرور فيه ليؤذن باختصاص التوكل من العبد على الله دون غيره لأن غيره لا يملك ضراً ولا نفعاً فيتوكل عليه" 1
من ذلك أيضاً قوله تعالى: (أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ (53) الشورى) "لأن المعنى هو أن الله تعالى مختص بصيرورة الأمور إليه دون غيره. ونحو قوله تعالى (إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (25) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ (26) الغاشية) . فإن الإياب لا يكون إلا إلى الله وهو نظير قوله تعالى (إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَآَبِ (36) الرعد) وقوله (إلَى رَبّكَ يَومئذٍ المَساق (32) القيامة) فالمساق إلى الله وحده لا إلى ذات أخرى، وهذا ليس من التقديم من أجل مراعاة المشاكلة لرؤوس الآي كما ذهب بعضهم 2 بل هو لقصد الاختصاص نظير قوله تعالى (إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا (4) يونس) وقوله (وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ (123) هود) وقوله (وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ (93) الأنبياء) وغير ذلك من الآيات. ** ومن هذا الباب قوله تعالى (إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ (47) فصلت) فعلم الساعة مختص بالله وحده لا يعلمه أحد غيره، ونحوه قوله تعالى (إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ (34) لقمان) فقدم الظرف الذي هو الخبر على المبتدأ وهو نظير الآية السابقة. ** ونحوه قوله تعالى:(وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ (59) الأنعام) فقدم الظرف الذي هو الخبر على المبتدأ (مفاتح الغيب) وذلك لاختصاصه سبحانه بعلم الغيب، ألا ترى كيف أكد ذلك الاختصاص بأسلوب آخر هو أسلوب القصر فقال: لا يعلمها إلا هو؟ وقد يكون التقديم من هذا النوع لغرض آخر كالمدح والثناء والتعظيم والتحقير وغير ذلك من الأغراض، إلا أن الأكثر فيه أن يفيد الاختصاص. ومن التقديم الذي لا يفيد الاختصاص قوله تعالى: (وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ (84) الأنعام) فهذا ليس من باب التخصيص إذ ليس معناه أننا ما هدينا إلا نوحاً وإنما هو من باب المدح والثناء. ونحو قوله (فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ (9) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ (10) الضحى) إذ ليس المقصود به جواز قهر غير اليتيم ونهر غير السائل، وإنما هو من باب التوجيه فإن اليتيم ضعيف وكذلك السائل وهما مظنة القهر، فقدمهما للاهتمام بشأنهما والتوجيه إلى عدم استضعافهما. ثانياً: تقديم اللفظ وتأخيره على غير العامل: إن تقديم الألفاظ بعضها على بعض له أسباب عديدة يقتضيها المقام وسياق القول، يجمعها قولهم: إن التقديم إنما يكون للعناية والاهتمام. فما كانت به عنايتك أكبر قدمته في الكلام. والعناية باللفظة لا تكون من حيث أنها لفظة معينة بل قد تكون العناية بحسب مقتضى الحال. ولذا كان عليك أن تقدم كلمة في موضع ثم تؤخرها في موضع آخر لأن مراعاة مقتضى الحال تقتضي ذاك. والقرآن أعلى مثل في ذلك فإنا نراه يقدم لفظة مرة ويؤخرها مرة أخرى على حسب المقام. فنراه مثلاً يقدم السماء على الأرض ومرة يقدم الأرض على السماء، ومرة يقدم الإنس على الجن ومرة يقدم الجن على الإنس، ومرة يقدم الضر على النفع ومرة يقدم النفع على الضر، كل ذلك بحسب ما يقتضيه القول وسياق التعبير. فإذا أردت أن تبين أسباب هذا التقديم أو ذاك فإنه لا يصح الاكتفاء بالقول إنه قدم هذه الكلمة للعناية بها والاهتمام دون تبيين مواطن هذه العناية وسبب هذا التقديم. فإذا قيل لك مثلاً: لماذا قدم السماء على الأرض هنا؟ قلت لأن الاهتمام بالسماء أكبر. ثم إذا قيل لك ولماذا قدم الأرض على السماء في هذه الآية؟ قلت لأن الاهتمام بالأرض هنا أكبر. فإذا قيل ولماذا كان الاهتمام بالسماء هناك أكبر وكان الاهتمام بالأرض هنا أكبر؟ وجب عليك أن تبين سبب ذلك وبيان الاختلاف بين الموطنين بحيث تبين أنه لا يصح أو لا يحسن تقديم الأرض على السماء فيما قدمت فيه السماء أو تقديمُ السماء على الأرض فيما قدمت فيه الأرض بياناً شافياً. وكذلك بقية المواطن الأخرى. أما أن تكتفي بعبارة أن هذه اللفظة قدمت للعناية والاهتمام بها فهذا وجه من وجوه الإبهام. والاكتفاءُ بها يضيع معرفة التمايز بين الأساليب فلا تعرف الأسلوب العالي الرفيع من الأسلوب المهلهل السخيف، إذ كل واحد يقول لك: إن عنايتي بهذه اللفظة هنا أكبر دون البصر بما يستحقه المقام وما يقتضيه السياق. إن فن التقديم والتأخير فن رفيع يعرفه أهل البصر بالتعبير والذين أوتوا حظاً من معرفة مواقع الكلم وليس ادعاء يدعى أو كلمة تقال. وقد بلغ القرآن الكريم في هذا الفن ـ كما في غيره ـ الذروة في وضع الكلمات الوضعَ الذي تستحقه في التعبير بحيث تستقر في مكانها المناسب. ولم يكتف القرآن الكريم في وضع اللفظة بمراعاة السياق الذي وردت فيه بل راعى جميع المواضع التي وردت فيها اللفظة ونظر إليها نظرة واحدة شاملة في القرآن الكريم كله. فنرى التعبير متسقاً متناسقاً مع غيره من التعبيرات كأنه لوحة فنية واحدة مكتملة متكاملة. إن القرآن الكريم دقيق في وضع الألفاظ ورصفها بجنب بعض دقة عجيبة فقد تكون له خطوط عامة في التقديم والتأخير، وقد تكون هناك مواطن تقتضي تقديم هذه اللفظة أو تلك، كل ذلك مراعى فيه سياق الكلام والاتساق العام في التعبير على أكمل وجه وأبهى صورة. وسنوضح هذا القول المجمل ببيان شاف. إن القرآن ـ كما ذكرت ـ يقدم الألفاظ ويؤخرها حسبما يقتضيه المقام فقد يكون سياق الكلام مثلاً متدرجاً حسب القدم والأولية في الوجود، فيرتب ذكر الكلمات على هذا الأساس فيبدأ بالأقدم ثم الذي يليه وهكذا وذلك نحو قوله تعالى (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56) الذاريات) فخلق الجن قبل خلق الإنس بدليل قوله تعالى (وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ (27) الحجر) فذكر الجن أولاً ثم ذكر الإنس بعدهم. ** ونحو قوله تعالى (لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ (255) البقرة) لأن السِّنة وهي النعاس تسبق النوم3 فبدأ بالسنة ثم النوم. ** ومن ذلك تقديم عاد على ثمود 4 قال تعالى (وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ (38) العنكبوت) فإن عاداً أسبق من ثمود.
** وحعلوا من ذلك تقديم الليل على النهار والظلمات على النور5 قال تعالى (وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (33) الأنبياء) فقدم الليل لأنه أسبق من النهار وذلك لأنه قبل خلق الأجرام كانت الظلمة وقدم الشمس على القمر لأنها قبله في الوجود. وقال (يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ (44) النور) إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة. ومثل تقديم الليل على النهار تقديم الظلمات على النور كما ذكرت. قال تعالى (وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ (1) الأنعام) وذلك لأن الظلمة قبل النور لما مر في الليل. قالوا: ومن ذلك تقديم العزيز على الحكيم حيث ورد في القرآن الكريم (وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (1) الحشر) قالوا لأنه عزّ فحكم.6 ** ومنه تقديم القوة على العزة لأنه قوي فعزّ أي غلب، فالقوة أول قال تعالى (إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (40) و (70) الحج) وقال (وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا (25) الأحزاب). ** وقد يكون التقديم بحسب الفضل والشرف منه تقديم الله سبحانه في الذكر7 كقوله تعالى (وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (69) النساء). فقدم اللهَ على الرسول ثم قدم السعداء من الخلق بحسب تفاضلهم، فبدأ بالأفضلين وهم النبيون ثم ذكر من بعدَهم بحسب تفاضلهم. كما تدرج من القلة إلى الكثرة فبدأ بالنبيين وهم أقل الخلق، ثم الصدّيقين وهم أكثر، ثم الشهداء ثم الصالحين فكل صنف أكثر من الذي قبله فهو تدرج من القلة إلى الكثرة ومن الأفضل إلى الفاضل، ولا شك أن أفضل الخلق هم أقل الخلق إذ كلما ترقى الناس في الفضل قلّ صنفهم. ** ومن ذلك قوله تعالى (وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (7) الأحزاب) فبدأ بالرسول لأنه أفضلهم.8 ** وجعلوا من ذلك تقديم السمع على البصر قال تعالى (وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (11) الشورى) و (إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (20) غافر) وقال(إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (1) الإسراء) و (هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (56) غافر) وقال تعالى (إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (2) الإنسان) فقدم السمع على البصر. وقال (وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا (73) الفرقان) فقدّم الصم وهم فاقدو السمع على العميان وهم فاقدو البصر. قالوا لأن السمع أفضل.9 قالوا والدليل على ذلك أن الله تعالى لم يبعث نبياً أصم ولكن قد يكون النبي أعمى كيعقوب فإنه عمي لفقد ولده. والظاهر أن السمع بالنسبة إلى تلقي الرسالة أفضل من البصر، ففاقد البصر يستطيع أن يفهم ويعي مقاصد الرسالة فإن مهمة الرسل التبليغ عن الله. والأعمى يمكن تبليغه بها وتيسير استيعابه لها كالبصير، غير أن فاقد السمع لا يمكن تبليغه بسهولة. فالأصم أنأى عن الفهم من الأعمى، ولذا كان العميان علماء كبار بخلاف الصم. فلكون متعلق ذلك التبليغ كان تقديم السمع أولى. ويمكن أن يكون تقديم السمع على البصر لسبب آخر عدا الأفضلية وهو أن مدى السمع أقل من مدى الرؤية فقدم ذا المدى الأقل متدرجاً من القصر إلى الطول في المدى، ولذا حين قال موسى في فرعون (قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى (45) طه) قال الله تعالى (قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (46) طه) فقدم السمع لأنه يوحي بالقرب إذ الذي يسمعك يكون في العادة قريباً منك بخلاف الذي يراك فإنه قد يكون بعيداً وإن كان الله لا يندّ عن سمعه شيء. وقد يكون التقديم بحسب الرتبة وذلك كقوله تعالى (فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ (8) وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ (9) وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ (10) هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ (11) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (12) القلم) "فإن الهمّاز هو العيّاب وذلك لا يفتقر إلى مشي بخلاف النميمة فإنها نقل للحديث من مكان إلى مكان عن شخص إلى شخص."10 فبدأ بالهماز وهو الذي يعيب الناس وهذا لا يفتقر إلى مشي ولا حركة، ثم انتقل إلى مرتبة أبعد في الإيذاء وهو المشي بالنميمة، ثم انتقل إلى مرتبة أبعد في الإيذاء وهو أنه يمنع الخير عن الآخرين، وهذه مرتبة بعد في الإيذاء مما تقدمها. ثم انتقل إلى مرتبة أخرى أبعد مما قبلها وهو الاعتداء فإن منع الخير قد لا يصحبه اعتداء أما العدوان فهو مرتبة أشد في الإيذاء. ثم ختمها بقوله: (أثيم) وهو وصف جامع لأنواع الشرور فهي مرتبة أخرى أشد إيذاءً. جاء في (بدائع الفوائد) : "وأما تقدم (همّاز) على (مشّاء بنميم) فالرتبة لأن المشي مرتب على القعود في المكان. والهماز هو العيّاب وذلك لا يفتقر إلى حركة وانتقال من موضعه بخلاف النميم. وأما تقدم (مناع للخير) على (معتد) فبالرتبة أيضاً لأن المناع يمنع من نفسه والمعتدي يعتدي على غيره ونفسه قبل غيره."11 ** وجعلوا من تقدم السمع على العلم حيث وقع في القرآن الكريم كقوله تعالى (وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (137) البقرة) وقوله (إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (61) الأنفال) وذلك أنه "خبر يتضمن التخويف والتهديد، فبدأ بالسمع لتعلقه بما يقرب كالأصوات وهمس الحركات، فإن من سمع حسك وخفيّ صوتك أقرب إليك في العادة ممن يقال لك: إنه يعلم وإن كان علمه تعالى متعلقاً بما ظهر وبطن وواقعاً على ما قرب وشطن. ولكن ذكر السميع أوقع في باب التخويف من ذكر العليم فهو أولى بالتقديم."12 ويمكن أن يقال: إن السمع من وسائل العلم فهو يسبقه. ** وجعلوا منه أيضاً تقديم المغفرة على الرحمة نحو قوله (إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (173) البقرة) في آيات كثيرة وقوله (وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (100) النساء) قالوا: وسبب تقديم الغفور على الرحيم أن" المغفرة سلامة والرحمة غنيمة، والسلامة مطلوبة قبل الغنيمة وإنما تأخرت في سورة سبأ في قوله (يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ (2) ) فالرحمة شملتهم جميعاً والمغفرة تخص بعضاً. والعموم قبل الخصوص بالرتبة."13 وإيضاح ذلك أن جميع الخلائق من الإنس والجن والحيوان وغيرهم محتاجون إلى رحمته فهي برحمته تحيا وتعيش وبرحمته تتراحم، وأما المغفرة فتخص المكلفين فالرحمة أعمّ. ** ومن التقديم بالرتبة أيضاً قوله تعالى في من يكنز الذهب والفضة (يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ (35) التوبة) فبدأ بالجباه ثم الجنوب ثم الظهور "قيل: لأنهم كانوا إذا أبصروا الفقير عبسوا وإذا ضمهم وإياه مجلس ازوروا عنه وتولوا بأركانهم وولوه ظهورهم" 14 فتدرج حسب الرتبة. وقد يكون التقديم بحسب الكثرة والقلة فقد يرتب المذكورات متدرجاً من القلة إلى الكثرة حسبما يقتضيه المقام وذلك نحو قوله (أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (125) البقرة) فكل طائفة هي أقل من التي بعدها فتدرج من القلة إلى الكثرة. فالطائفون أقل من العاكفين لأن الطواف لا يكون إلا حول الكعبة. والعكوف يكون في المساجد عموماً. والعاكفون أقل من الراكعين لأن الركوع أي الصلاة تكون في كل أرض طاهرة، أما العكوف فلا يكون إلا في المساجد . والراكعون أقل من الساجدين وذلك لأن لكل ركعة سجدتين ثم أن كل راكع لا بد أن يسجد وقد يكون سجود ليس له ركوع كسجود التلاوة وسجود الشكر. فهو هنا تدرج من القلة إلى الكثرة. 15 ولهذا التدرج سبب اقتضاه المقام فإن الكلام على بيت الله الحرام. قال تعالى(وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (125) البقرة) فالطائفون هم ألصق المذكورين بالبيت لأنهم يطوفون حوله، فبدأ بهم ثم تدرج إلى العاكفين في هذا البيت أو في بيوت الله عموماً، ثم الركع السجود الذين يتوجهون إلى هذا البيت في ركوعهم وسجودهم في كل الأرض. ونحوه قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ {س}(77) الحج) فبدأ بالركوع وهو أقل المذكورات ثم السجود وهو أكثر، ثم عبادة الرب وهو أعمّ، ثم فعل الخير. وقد يكون الكلام بالعكس فيتدرج من الكثرة إلى القلة وذلك نحو قوله تعالى (يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (43) آل عمران) فبدأ بالقنوت وهو عموم العبادة، ثم السجود وهو أثل وأخص، ثم الركوع وهو أقل وأخص.16
ومنه قوه تعالى (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (2) التغابن) فبدأ بالكفار لأنهم أكثر* قال تعالى (وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (103) يوسف). ونحوه قوله تعالى (ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (32) فاطر) فقدم الظالم لكثرته ثم المقتصد وهو أقل ممن قبله ثم السابقين وهم أقل.17 جاء في (الكشاف) في هذه الآية: "فإن قلت : لم قدم الظالم ثم المقتصد ثم السابق؟ قلت للإيذان بكثر الفاسقين وغلبتهم وأن المقتصدين قليل بالإضافة إليهم والسابقون أقل من القليل." 18 ألا ترى كيف قال الله تعالى في السابقين (ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (13) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآَخِرِينَ (14) الواقعة) إشارة إلى ندرة وقلة وجودهم؟ قالوا: ومن هذا النوع من التقديم قوله تعالى (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا (38) المائدة) قدم السارق على السارقة لأن السرقة في الذكور أكثر. وقدم الزانية على الزاني في قوله تعالى (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ (2) النور) لأن الزنى فيهن أكثر.19 ألا ترى أن قسماً من النساء يحترفن هذه الفعلة الفاحشة؟ وجاء في حاشية ابن المنير على (الكشاف) قوله: "وقدم الزانية على الزاني والسبب فيه أن الكلام الأول في حكم الزنى والأصل فيه المرأة لما يبدو منها من الإيماض والإطماع والكلام،"20 "ولأن مفسدته تتحقق بالإضافة إليها".21
وقد يكون التقديم لملاحظ أخرى تتناسب مع السياق فنراه يقدم لفظة في موضع ويؤخرها في موضع آخر بحسب ما يقتضي السياق. ** فمن ذلك تقديم لفظ الضرر على النفع وبالعكس قالوا: إنه حيث تقدم النفع على الضر فلتقدم ما يتضمن النفع. قال تعالى (قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ (188) الأعراف) فقدم النفع على الضرر وذلك لأنه تقدمه في قوله (مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (178) الأعراف) فقدم الهداية على الضلال، وبعد ذلك قال (وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (188) ) فقدم الخير على السوء ولذا قدم النفع على الضرر إذ هو المناسب للسياق. وقال: (قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلَا نَفْعًا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ (49) يونس) فقدّم الضرر على النفع وقد قال قبل هذه الآية (وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ فَنَذَرُ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (11) يونس) وقال (وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ (12) يونس). فقدم الضر على النفع في الآيتين . ويأتي بعد هذه الآية قوله: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتًا أَوْ نَهَارًا مَاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ (50) ) فكان المناسب تقديم الضرر على النفع ههنا. وقال: (قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا (16) الرعد) فقدّم النفع على الضرر، قالوا: وذلك لتقدم قوله تعالى (وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ {س}(15) الرعد) فقدم الطوع على الكره. وقال: (فَالْيَوْمَ لَا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا (42) سبأ) فقدم النفع على الضر قالوا: وذلك لتقدم قوله (قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَه(39) سبأ) فقدم لبسط. وغير ذلك من مواضع هاتين اللفظتين.22 ** ومن ذلك تقديم الرحمة والعذاب فقد قيل إنه حيث ذكر الرحمة والعذاب بدأ بذكر الرحمة كقوله تعالى (يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ (18) المائدة) وقوله (إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ (43) فصلت) وقوله (غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ (3) غافر) وعلى هذا جاء قول النبي صلى الله عليه وآله حكاية عن الله تعالى :" إن رحمتي سبقت غضبي" وقد خرج عن هذه القاعدة مواضع اقتضت الحكمة فيها تقديم ذكر العذاب ترهيباً وزجراً. من ذلك قوله تعالى في سورة المائدة (أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (40) ) لأنها وردت في سياق ذكر قطاع الطرق والمحاربين والسرّاق فكان المناسب تقديم ذكر العذاب وذلك أنها وردت بعد قوله تعالى (مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا (32) المائدة) فقدم القتل على الإحياء ثم قال بعدها (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (33) ) ثم جاء بعدها (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (38)) ثم جاء بعدها قوله تعالى (أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (40)) فأنت ترى أن المناسب ههنا تقديم العذاب على المغفرة. جاء في (الكشاف) في قوله تعالى (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا ) إلى قوله (ُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ ) "فإن قلت لم قدم التعذيب على المغفرة؟ قلت لأنه قوبل بذلك تقديم السرقة على التوبة".23 ومن ذلك قوله تعالى في سورة العنكبوت (يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ (21) ) وذلك لأنها في سياق إنذار إبراهيم لقومه ومخاطبة نمرود وأصحابه وأن العذاب وقع بهم في الدنيا. 24 قد أنذر إبراهيم قومه قائلاً: (إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (17) العنكبوت) ثم قال: (وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (18) ) وهددهم بعد بقوله (وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ وَلِقَائِهِ أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (23) ) فأنت ترى أن السياق يقتضي تقديم العذاب هنا. وقد يكون التقديم والتأخير على نمط غير الذي ذكرت من تقديم الضرر والنفع والعذاب والمغفرة وغيرها من الخطوط العامة. فقد يقدم لفظة في مكان ويؤخرها في مكان آخر حسبما يقتضيه السياق. **فمن ذلك قوله تعالى (وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (31) الأنبياء) وقوله (وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا (19) لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا (20) نوح) فقدم الفجاج على السبل في الآية الأولى وأخرها عنها في آية نوح وذلك أن الفجّ في الأصل هو الطريق في الجبل أو بين الجبلين، فلما تقدم في آية الأنبياء ذكر الرواسي وهي الجبال قدم الفجاج لذلك بخلاف آية نوح فإنه لم يرد فيها ذكر للجبال فأخرها. فوضع كل لفظة في الموضع الذي تقتضيه. **ومثل ذلك قوله تعالى (وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (157) وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ (158) آل عمران) فقدم القتل على الموت في الآية الأولى وقدم الموت في الآية التي تليها وسبب ذلك والله أعلم أنه لما ذكر في الآية الأولى (في سبيل الله) وهو الجهاد قدم القتل إذ هو المناسب لأن الجهاد مظنّة القتل، ثم هو الأفضل أيضاً ولذا ختمها بقوله (لمغفرة من الله ورحمة) فهذا جزاء الشهيد ومن مات في سبيل الله. ولما لم يقل في الثانية (في سبيل الله) قدم الموت على القتل لأنه الحالة الطبيعية في غير الجهاد ثم ختمها بقوله (لإلى الله تحشرون) إذا الميت والمقتول كلاهما يحشره الله إليه. فشتان ما بين الخاتمتين. فلم يزد في غير الشهيد ومن مات في سبيل الله على أن يقول (لإلى الله تحشرون) وقال في خاتمة الشهيد (لمغفرة من الله ورحمة خير مما يجمعون) فوضع كل لفظة الموضع الذي يقتضيه السياق. ** وقال تعالى (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلَا يُبْصِرُونَ (27) السجدة) فقدم الأنعام على الناس. وقال في مكان آخر (وَفَاكِهَةً وَأَبًّا (31) مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ (32) عبس) فقدم الناس على الأنعام وذلك لأنه لما تقدم ذكر الزرع في آية السجدة ناسب تقديم الأنعام بخلاف آية عبس فإنها في طعام الإنسان قال تعالى (فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (24) أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا (25) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا (26) فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (27) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (28) وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا (29) وَحَدَائِقَ غُلْبًا (30) وَفَاكِهَةً وَأَبًّا (31) مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ (32) عبس) 25 ألا ترى كيف ذكر طعام الإنسان من الحب والفواكه أولاً ثم ذكر طعام الأنعام بعده وهو الأبّ أي التبن، فناسب تقديم الإنسان على الأنعام ههنا كما ناسب تقديم الأنعام على الناس ثمّ. فسبحان الله رب العالمين.
** ومن ذلك قوله تعالى (وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ (151) الأنعام) وقوله (وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا (31) الإسراء) فقدم رزق الآباء في الآية الأولى على الأبناء، وفي الثانية قدم رزق الأبناء على الآباء وذلك أن الكلام في الآية الأولى موجه إلى الفقراء دون الأغنياء فهم يقتلون أولادهم من الفقر الواقع بهم لا أنهم يخشونه،فأوجبت البلاغة تقديم عِدَتهم بالرزق تكميل العِدة برزق الأولاد. وفي الآية الثانية الخطاب لغير الفقراء وهم الذين يقتلون أولادهم خشية الفقر لا أنهم مفتقرون في الحال،وذلك أنهم يخافون أن تسلبهم كلف الأولاد ما بأيديهم من الغنى فوجب تقديم العدة برزق الأولاد فيأمنوا ما خافوا من الفقر. 26 فقال: لا تقتلوهم فإنا نرزقهم وإياكم أي أن الله جعل معهم رزقهم فهم لا يشاركونكم في رزقكم فلا تخشوا الفقر. ** ومن ذلك قوله تعالى (خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (7) البقرة) وقوله (وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً (23) الجاثية) فقدم القلوب على السمع في البقرة وقدم السمع على القلب في الجاثية وذلك لأنه في البقرة ذكر القلوب المريضة فقال (فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا (10) ) فقدم القلوب لذلك. وفي الجاثية ذكر الأسماع المعطلة فقال (وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (7) يَسْمَعُ آَيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (8) الجاثية) فقدم السمع. فوضع كل لفظة في المكان الذي يناسبها. ثم إن آية البقرة ذكرت من أصناف الكافرين من هم أشد ضلالاً وكفراً ممن ذكرتهم آية الجاثية فقد جاء فيها قوله تعالى (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (6) خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (7) البقرة) وجاء في الجاثية قوله (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (23) ) فقد ذكر في البقرة أن الإنذار وعدمه عليهم سواء وأنهم ميؤوس من إيمانهم ولم يقل مثل ذلك في الجاثية. ثم كرر حرف الجر (على) مع القلوب والأسماع في آية البقرة مما يفيد توكيد الختم فقال (عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ ) ولم يقل مثل ذلك في الجاثية بل انتظم الأسماع والقلوب بحرف جر واحد فقال (وختم على سمعه وقلبه). ثم قال في البقرة (وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ) بالجملة الاسمية والجملة الاسمية كما هو معلوم تفيد الدوام والثبات، ومعنى ذلك أن هؤلاء لم يسبق لهم أن أبصروا وإنما هذا شأنهم وخلقتهم فلا أمل في إبصارهم في يوم من الأيام. في حين قال في الجاثية (وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً ) بالجملة الفعلية التي تفيد الحدوث ومعلوم أن (جعل) فعل ماض،ومعنى ذلك أن الغشاوة لم تكن قبل الجعل،يدلك على ذلك قوله تعالى (وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ ) مما يدل على أنه كان مبصراً قبل ترديه. ثم ختم آية البقرة بقوله (وله عذاب عظيم) ولم يقل مثل ذلك في آية الجاثية. فدل على أن صفات الكفر في البقرة أشد تمكناً فيهم. ولذا قدم ختم القلب على ما سواه لأنه هو الأهم فإن القلب هو محل الهدى والضلال وإذا ختم عليه فلا ينفع سمع ولا بصر قال تعالى (فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (46) الحج). وقال r: " ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب" فكان تقديم القلب في البقرة أولى وأنسب كما أن تقديم السمع في الجاثية أنسب.
** ومنه قوله تعالى (لَقَدْ وُعِدْنَا هَذَا نَحْنُ وَآَبَاؤُنَامِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (68) النمل) وقوله (لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآَبَاؤُنَا هَذَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (83) المؤمنون) فقدم (هذا) في الآية الأولى وأخرها في آية المؤمنون وذلك أن ما قبل الأولى (أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآَبَاؤُنَا أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ (67) النمل) وما قبل الثانية (قَالُوا أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (82) المؤمنون) فالجهة المنظور فيها هناك كونهم أنفسهم وآباؤهم تراباً. والجهة المنظور فيها هنا كونهم تراباً وعظاماً. ولا شبهة أن الأولى أدخل عندهم في تبعيد البعث27 ذلك أن البلى في الحالة الأولى أكثر وأشد وذلك أنهم أصبحوا تراباً مع آبائهم. وأما في الآية الثانية فالبلى أقل وذلك أنهم تراب وعظام فلم يصبهم ما أصاب الأولين من البلى، ولذا قدّم (هذا) في الآية الأولى لأنه أدعى إلى العجب والتبعيد.
** ومن ذلك قوله تعالى (ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (102) الأنعام) وقوله (ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (62) غافر) فأنت ترى أنه قدم في آية الأنعام (لَا إِلَهَ إِلَّا هُو) وأخّر (خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ) وفي غافر جاء بالعكس. وذلك أنه في سياق الإنكار على الشرك والدعوة إلى التوحيد الخالص ونفى الصاحبة والولد قال: (وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ (100) بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (101) ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (102) الأنعام). فأنت ترى أن الكلام على التوحيد ونفي الشرك والشركاء والصاحبة والولد ولذا قدّم كلمة التوحيد (لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ ) على (خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ) وهو المناسب للمقام. ثم انظر كيف قال (وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ) بعد قوله (أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ ) فأخّر الخلق بعد التوحيد وهو نظير تأخيره بعد قوله (لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ ) فقال (لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ) وهو تناظر جميل. أما في غافر فليس السياق كذلك وإنما هو في سياق الخلق وتعداد النعم قال تعالى (لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (57)) إلى أن يقول (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (60) اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (61) ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (62) ) فالكلام كما ترى عل الخلق وعلى نعم الله وفضله على الناس لا على التوحيد فقدم الخلق لذلك فوضع كل تعبير في موطنه اللائق حسب السياق. جاء في البرهان للكرماني: "قوله (ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ) في هذا السورة.وفي المؤمن (خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ ) لأن فيها قبله ذكر الشركاء والبنين والبنات فدمغ قول قائله بقوله (لَا إِلَهَ إِلَّا هُو ) ثم قال (خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ). وفي المؤمن قبله ذكر الخلق وهو (لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ ) فخرج الكلام على إثبات خلق الناس لا على نفي الشريك فقدم في كل سورة ما يقتضيه قبله من الآيات."28 ** ومن ذلك قوله تعالى (إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ (72) الأنفال) وقوله (الَّذِينَ آَمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ (20) التوبة) فقدم الأموال والأنفس على (في سبيل الله) في سورة الأنفال وقدم (في سبيل الله) على الأموال والأنفس في سورة التوبة، وذلك لأنه في سورة الأنفال تقدم ذكر المال والفداء والغنيمة من مثل قوله تعالى (تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا (67) الأنفال) وهو المال الذى فدى به الأسرى أنفسهم وقوله (لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (68) الأنفال) أي من الفداء،وقوله (فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا (69) الأنفال) وغير ذلك فقدم المال ههنا، لأن المال كان مطلوباً لهم حتى عاتبهم الله في ذلك فطلب أن يبدؤوا بالتضحية به. وأما في سورة التوبة فقد تقدم ذكر الجهاد في سبيل الله من مثل قوله تعالى (قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (14) ) وقوله (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (16) ) وقوله (أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ (19) ) 29 فقدم ذكر (في سبيل الله) على الأموال والأنفس وهو المناسب ههنا للجهاد كما قدم الأموال والأنفس هناك لأنه المناسب للأموال.
**ومنه قوله تعالى (وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ (14) النحل) وقوله (وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ (12) فاطر) قّدم (مواخر)على الجار والمجرور في النحل وقدم (فيه) على مواخر في فاطر. وذلك أنه تقدم الكلام في النحل على وسائط النقل فذكر الأنعام وأنها تحمل الأثقال وذكر الخيل والبغال والحمير لنركبها وزينة ثم ذكر الفلك وهي واسطة نقل أيضاً فقال (وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (14) النحل) قدّم المواخر لأنها من صفات الفلك وهذا التقديم مناسب في سياق وسائط النقل. وليس السياق كذلك في سورة فاطر وإنما قال الله تعالى (وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (11) فاطر) ثم قال (وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (12) ) فالكلام هنا على البحر وأنواعه وما أودع الله فيه من نعم. فلما كان الكلام على البحر قدم ضمير البحر على المخر فقال (وترى الفلك فيه مواخر). فانظر كيف أنه لما كان الكلام على وسائط النقل والفلك قدم حالة الفلك ولما كان الكلام على البحر ذكر ما يتعلق به. ** ومن ذلك قوله تعالى (وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآَنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا (89) الإسراء) وقوله (وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآَنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا (54) الكهف) قدم (للناس) على (في هذا القرآن) في الإسراء وأخّرها في الكهف وذلك لأنه تقدم الكلام في الإسراء على الإنسان ونعم الله عليه ورحمته به فقال (وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوسًا (83) ) إلى أن يقول (وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلًا (86) إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا (87) قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآَنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (88) ) فناسب تقديم الناس في سورة الإسراء. ولم يتقدم مثل ذلك في سورة الكهف. ثم انظر في افتتاح كل من السورتين فقد بدأ سورة الكهف بقوله (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (1) قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ (2) ) فقد بدأ السورة بالكلام على الكتاب وهو القرآن ثم ذكر بعده أصحاب الكهف وذكر موسى والرجل الصالح وذكر ذا القرنين وغيرهم من الناس، فبدأ بذكر القرآن ثم ذكر الناس فكان المناسب أن يتقدم ذكر القرآن على الناس في هذه الآية كما في البدء. وأما في سورة الإسراء فقد بدأت بالكلام على الناس ثم القرآن فقد بدأت بقوله تعالى(سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ (1) ثم تكلم على بني إسرائيل ثم قال بعد ذلك: (إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا (9) ) فكان المناسب أن يتقدم ذكر الناس فيها على ذكر القرآن في هذه الآية وهذا تناسب عجيب بين الآية ومفتتح السورة في الموضعين. ثم انظر خاتمة الآيتين فقد ختم آية الإسراء بقوله (فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا (89) ) والكفور هو حجد النعم فناسب ذلك تقدم ذكر النعمة والرحمة والفضل ألا ترى أن مقابل الشكر الكفران ومقابل الشاكر الكفور قال تعالى (إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3) الإنسان) فكان ختام الآية مناسب لما تقدم من السياق. أما آية الكهف فقد ختمها بقوله (وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا (54) ) لما ذكر قبلها وبعدها من المحاورات والجدل والمراء من مثل قوله تعالى (فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ (34) ) وقوله (قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ (37) ) وبعدها (وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ (56) ) وذكر محاورة موسى الرجل الصالح ومجادلته فيما كان يفعل. وقال (فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا (22) ) ولم يرد لفظ الجدل ولا المحاورة في سورة الإسراء كلها. فما ألطف هذا التناسق وما أجمل هذا الكلام!. ** ومن ذلك قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (264) البقرة) وقوله:(مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ (18) ابراهيم) فقال في آية البقرة(لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا ) فقدم الشيء وأخّر الكسب. وقال في سورة ابراهيم (لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ) فقدم الكسب وأخر الشيء وذلك أن آية البقرة قي سياق الإنفاق والصدقة والمنفق معطٍ وليس كاسباً ولذلك أخّر الكسب فقال (لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا ) وأما الآية الثانية فهي في سياق العمل والعامل كاسب فقدّم الكسب.
** ومن ذلك قوله تعالى (وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (126) آل عمران) وقوله (إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ (11) الأنفال) فقدّم القلب على الجار والمجرور في آل عمران فقال: (ولتطمئن قلوبكم به) وأخّرها عنه في الأنفال فقال (ولتطمئن به قلوبكم) علماً بأن الكلام على معركة بدر في الموطنين غير أن الموقف مختلف. ففي آل عمران ذكر معركة بدر تمهيداً لذكر موقعة أحد وما أصابهم فيها من قرح وحزن والمقام مقام مسح على القلوب وطمأنة لها من مثل قوله تعالى: (وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (139) إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (140) آل عمران) إلى غير ذلك من آيات المواساة والتصبير فقال في هذا الموطن (وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ ) فذكر أن البشرى (لهم) وقدم (قلوبهم) على الإمداد بالملائكة فقال (إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ ) كل ذلك من قبيل المواساة والتبشير والطمأنة. ولما لم يكن المقام في الأنفال كذلك وإنما المقام ذكر موقعة بدر وانتصارهم فيها ودور الإمداد السماوي في هذا النصر وقد فصل في ذلك أكثر مما ذكر في آل عمران فقال (إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ (9) وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (10) إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ (11) إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آَمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ (12) ) أقول لما كان المقام مختلفاً خالف في التعبير. أنه لما كان المقام في الأنفال مقام الانتصار وإبراز دور الإمداد الرباني قدم (به) على القلوب والضمير يعود على الإمداد. ولما كان المقام في آل عمران هو الطمأنينة وتسكين القلوب قدمها على الإمداد فقال (وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ ) وزاد كلمة (لكم) فقال (وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ ) زيادة في المواساة والمسح على القلوب فجعل كلاً في مقامه. ** ومن ذلك قوله تعالى (إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (173) البقرة) وقوله (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ (3) المائدة) وقوله (قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (145) الأنعام) فقد قال في آية البقرة: (وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ ) فقدم (به) على (لغير الله) ومعنى (ما أُهل به) : ما رفع الصوت بذبحه وهو البهيمة. وقال في آيتي المائدة والأنعام: (وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ ) فقدّم (لغير الله) على (به) وذلك أن المقام في آية الإنعام هو في الكلام على المفترين على الله ممن كانوا يشرعون للناس باسم الله وهم يفترون عليه فقال (وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (136) وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (137) وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لَا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (138) الأنعام) إلى غير ذلك من الآيات التي تبين أن ثمة ذوات غير الله تحلل وتحرم مفترية على الله، وذوات يزعمون أنها شركاء لله تعبد معه ونصيبها أكبر من نصيب الله في العبادة، ولذا قدم إبطال هذه المعبودات من غير الله على (به) فقال: (أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ ) لأنه هو مدار الاهتمام والكلام.
والكلام في المائدة أيضاً على التحليل والتجريم ومن بيده ذلك، ورفض أية جهة تحلل وتحرم من غير الله فإن الله هو يحكم ما يريد. قال (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ (1) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آَمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (2) حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (3) يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (4) المائدة) فهو يجعل التحليل والتحريم بيده ويرفض أية جهة أخرى تقوم بذلك، لأن ذلك من الشرك الذي أبطله الإسلام ولذا قدمه في البطلان فقال (وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ ). ثم إنه جاء في الموطنين بذكر اسم الله على الذبائح فذكر في آية الأنعام أن المشركين لا يذكرون اسم الله على بعض ذبائحهم تعمداً فقال: (وَأَنْعَامٌ لَا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا ). وأمر في آية المائدة بذكر اسم الله فقال:(وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ ) فناسب ذلك تقديم بطلان ذكر غير الله. وأما في البقرة فليس المقام كذلك فلم يذكر أن جهة أخرى تقوم بالتحليل والتحريم وإنما الكلام على ما رزق الله عباده من الطيبات فقال: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا (168) البقرة). وقال بعدها: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (172) إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (173) البقرة) فلما كان المقام مقام الرزق والطعام بأكل الطيبات قدم (به) والضمير يعود على ما يذبح وهو طعام مناسبة للمقام 30 والله أعلم.
**ومن ذلك قوله تعالى: (أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ.أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ (17) الملك) وقوله (قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ (65) الأنعام) فقدّم خسف الأرض على إرسال الحاصب في آية الملك وأخّر العذاب عما يأتي من السماء في آية الأنعام. وذلك أن آية الملك تقدّمها قوله تعالى (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ (15) الملك) فكأن أنسب شيء في الموعظة تذكيره بخسفها من تحتهم. "أما آية الأنعام فتقدمها قوله تعالى (وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ (61) الأنعام) فصرف هذا الخطاب تفكر النفس في عين الجهة التي ذكر منها القهر، وكان أنسب شيء ذكر منها القهر وكان أنسب شيء ذكر التخويف من تلك الجهة بخلاف آية الملك."31 ومما زاد ذلك حسناً قوله تعالى (ويرسل عليكم حفظة) والحفظة: هم الملائكة، والملائكة مسكنهم في السماء، وربنا يرسلهم من فوق فناسب تقديم هذه الجهة على غيرها. ونكتفي بهذا القدر من الأمثلة فإن فيها كفاية فيما أحسب فهي تدل دلالة واضحة على أن التعبير القرآني تعبير مقصود كل لفظ فيه وضع وضعاً فنياً مقصوداً وأنه لم يقدم لفظة على لفظة إلا لغرض يقتضيه السياق. وقد روعي في ذلك التعبير القرآني كله ونظر إليه نظرة واحدة شاملة. وأظن أن ما مر من الأمثلة تريك شيئاً من فخامة التعبير القرآني وعلوه وأن مثل هذا النظم لا يمكن أن يكون في طوق بشر فسبحان الله رب العالمين.
ما دلالة كلمة يستنقذون في قوله تعالى في سورة الحج: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ 73"؟ ج ـ ليس المقصود هنا مسألة الشيء المأخوذ من الذباب ولا الذباب، وإنما المقصود من الآية إظهار عجز الآلهة التي يدعونها من دون الله ( يا أيّها الناس ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُإِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ) لو بذلوا كل الجهد لا يستطيعون شيئاً من عجز هذه الآلهة. (وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ) فلو حاولوا الاستنقاذ (الطلب ومحاولة الاستنقاذ) وليس الإنقاذ نفسه فلن يقدروا، وإن يبذلوا جهدهم كله في سبيله فلن يستطيعوا، وهذا يبيّن ضعف ما يعبدون من آلهة وهو المقصود، وليس مقصوداً الذباب بنفسه ولا ما يأخذه الذباب.
ما دلالة استعمال كلمة بلاء بدل ابتلاء في قوله تعالى في سورة ابراهيم: "وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ 6"؟ ج ـ لم ترد كلمة ابتلاء في القرآن الكريم أصلاً وإنما وردت (ليبتليكم، مبتليكم، ابتلاه) والبلاء قد يأتي بمعنى الاختبار و ما ينزل على الإنسان من شدّة، أو ما يصيبه من خير كما في قوله تعالى: "ونَبلوكُم بالشّرّ والخَيرِ فِتنةً" الأنبياء. أما في الآية موضع السؤال فالكلام عن بني إسرائيل قبل أن يأتيهم موسى عليه السلام: "وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجَاكُمْ مِنْ آَلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ 6". والبلاء هنا من باب البلاء القَدَري (أي ما يُقدّره الله تعالى على الناس) وليس من باب الاختبار الشرعي. فما أصابهم من ذبح واستحياء نسائهم لم تكن بناء على اختبار شرعي وإنما حدث لهم قبل أن يُرسل الله تعالى لهم موسى عليه السلام، فهو من باب القضاء النازل على الإنسان قدرا كأن يمر في طريق فيقع عليه جدار فيقتله، لأن لاختبار الشرعي يكون بأن يأمر اللهُ تعالى بشيء ما فيفعله الإنسان أو لا يفعله، فالأمر مما يتعلق بالمطلوبات الشرعية وما يترتب عليها من حسنات وسيئات وتمحيص النفوس. وبلاء بني إسرائيل كما جاء في الآية ابتلاء قدري من باب البلاء النازل على الإنسان قدَراً لا من الاختبار الشرعي فهو ليس من الابتلاء فالبلاء ما ينزل عليك قدرا، وكلمة ابتلى أشد من (بلا) ويظهر فيها معنى الاختبار أكثر. والبلاء لا يكون بالضرورة سيئاً، بل قد يكون خيرا، والابتلاء اختبار كما في قوله تعالى في سورة الفجر: "فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ 15".
ما الفرق بين استعمال (من) و (ما) في قوله تعالى "ولله يسجد من في السموات والآرض"، وقوله تعالى: "ولله يسجد ما في السموات والأرض"؟ ج ـ (من) تستعمل لذوات العقلاء وأولي العلم فقط وذلك في جميع أحوالها ومعانيها أما (ما) فتستعمل : 1 ـ لصفات العقلاء(وما خلق الذكر والأنثى) والله هو الخالق، (ونفس وما سوّاها) والله هو المسوي، (فانكحوا ما طاب لكم من النساء). 2 ـوذوات غير العاقل (أشرب مما تشرب) فهي أعمّ وأشمل. لكن يبقى السؤال لماذا الاختلاف في الاستعمال في القرآن الكريم فمرة تأني (من) ومرة تأتي (ما)؟ ونستعرض الآيات التي وردت فيها (من) مع السجود : قال تعالى في سورة الرعد: "وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ 15" والطوع والكره من صفات العقلاء فاستعمل (من) وفي قوله تعالى (ألم تر أن الله يسجد له من في السموات ومن في الأرض وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوُابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ 18" الحج الكلام قبلها في العقلاء فاستخدم (من) : "إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ" الحج ـ 17 أما في سورة النحل في قوله تعالى : "وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (49)" الدابة أغلب ما تستعمل في اللغة لغير العاقل وهي عامة وشاملة فاستعمل (ما)، وجاءت في الآية كلمة (شيء) وهي أعمّ كلمة في العربية. وعليه فإنه من ناحية العموم ناسب استعمال (ما) ومن ناحية استعمالها لغير العاقل ناسب استعمال (ما) لتقدم ذكر الدابة لأن الدابة كما أسلفنا تستعمل في الغالب لغير العاقل. ونلاحظ في القرآن أنه تعالى عندما يستعمل (من) يعطف عليها ما لا يعقل، كما في قوله تعالى: "وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ 15" النحل، وفي سورة الحج قال الله عز وجل: "أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ 18". أما عندما يستعمل (ما) فإنه يعطف عليها من يعقل. قال الله تعالى: "وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (49)" النحل وهو خط بياني لم يتخلف في القرآن أبدا، والحكمة البيانية منه: الجمع حتى في آيات التسبيح وإن كان الخط أوضح في السجود، فاستعمل (من) مع فعل يسبّح كما في قوله تعالى في سورة الإسراء: "تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا 44"وفي سورة النور:"أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ 41". واستعمل (ما) كما في قوله تعالى في سورة الحشر (هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ 24" وفي سورة الجمعة: "يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ 1" وسورة التغابن: "يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ 1"وسورة الحديد: "سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ 1" ولحكمة البيانية من ذلك جمع كل شيء
** قال تعالى في سورة فُصّلت: "وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ 34". لماذا لم يستعمل كلمة الحسنى مثلاً؟ الحُسنى لا تُقابل السيئة وإنما تُقابل السوأى، قال تعالى في سورة الروم: "ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى أَنْ كَذَّبُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ 10". والحسنى مؤنّث الأحسن وهي اسم تفضيل كالأصغر والصُغرى والأكبر والكُبرى والأسوأ والسوأى. فالسيئة إذن لا تقابلها الحسنى وإنما السوأى. أما الحسنة فهي التي تقابل السيئة. ولو استُعملت الحُسنى كما جاء في السؤال (لا تستوي الحسنى ولا السيئة) لكانت تعني أنه يمكن أن تستوي الحسنة والسيئة، لأنه جمع بين السيئة والصفة العليا، فيمكن أن تندرج الصفة الأقل فتساويها، يصير المعنى: الحسنى لا تستوي مع السيئة ولكن ما دونها يستوي. أما في الآية الكريمة فقد نفى القِلّة، ونفي الأكثر من باب أولى.
** قال تعالى في سورة الشورى "وَمِنْ آَيَاتِهِ الْجَوَارِي فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ 32 إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ 33" ما علاقة الفاصلة بصدر الآية؟ وما دلالة استعمال الصيغتين وما الفارق بينهما؟ ولماذا قدمت صفة (صبار) على صفة (الشكور)؟ ج ـ صبّار: الصبر إما أن يكون على طاعة الله، أو على ما بصيب الإنسان من الشدائد. فالصلاة تحتاج إلى صبر وكذلك سائر العبادات كالجهاد والصوم. والشدائد تحتاج للصبر أيضا. أما الشكر فإنه إما أن يكون على النعم "وَاشْكُرُوا نِعْمَة اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُون" النحل ـ114 ، أو على النجاة من الشّدّة "لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ" يونس ـ22 فالشكر إذن يكون على ما يصيب الإنسان من النِّعَم، أو فيما يُنجيه الله تعالى من الشِّدّة والكرب. والآن نعود للسؤال لماذا قدّم الصبر على الشكر؟ ولننظر في الآيات التي وردت قبل الآية موضع السؤال وبعدها في سورة الشورى. قال تعالى في الآيات التي قبلها"وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ 28" والآية فيها قنوط أولاً ثم إنزال الغيث، والأول (القنوط) يحتاج إلى صبر، والثاني (إنزال الغيث) يحتاج إلى الشكر لأن إنزال الغيث هو رحمة تحتاج إلى الشكر، أما القنوط فكان عند حبس المطر، وهو أمر يحتاج إلى الصبر. أما في الآية التي بعدها فقد قال تعالى "وَمِنْ آَيَاتِهِ الْجَوَارِي فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ (32) إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (33) أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ (34)" يوبقهن أي يهلكهن وهذه الآيات فيها أمران أيضاً الأول وهو أن عدم جريان السفن (فيظللن رواكد على ظهر)، وهذا أمر يحتاج إلى الصبر والثاني إهلاكهن (أو يوبقهن) وهو من المصائب. و(يوبقهن) لها احتمالان: ـ احتمال إرادة إهلاك من فيها، على المجاز المرسل ، فأطلق المحل وأراد الحالّ ، فقال (السفن)، والمُراد: من فيها، وهذا ما يُسمّى بالمجاز المُرسل وعلاقته محلية. ـ أو احتمال إرادة البضائع التي فيها. فهذه مصيبة سواء كانت في الأموال (أي السفن نفسها والبضائع) أو في الأنفس (من في السفن) وكلمة يوبقهن تحتمل الإهلاك في النفس وفي المال وكلاهما يحتاج إلى صبر ، فإذا أصيب الإنسان في المال احتاج إلى صبر على الشدة، أو إذا أصيب في النفس احتاج أيضا إلى صبر أما قوله تعالى (ويعفو عن كثير) فهي تحتاج إلى شكر. إذن ما تقدّم الآية موضع السؤال وما جاء بعدها كله يحتاج لصبر وشكر، والصبر تقدّم على الشكر فيهما ـ ما قبلها وما بعدها ـ وعليه فإن نهاية الآية (صبّار شكور) جاءت واضحة ومتلائمة مع السياق. إضافة إلى هذا فإنه إذا نظرنا في القرآن كله نجد أنه تعالى إذا كان السياق في تهديد البحر يستعمل الصفتين (صبّار + شكور)، وإذا كان في غيره يستعمل الشكر فقط. ففي سورة لقمان مثلاً قال تعالى في سياق تهديد البحر: "أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَةِ اللَّهِ لِيُرِيَكُمْ مِنْ آَيَاتِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (31) وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِآَيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ (32)" وفي سورة الشورى: "(إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (33)" أما في سورة الروم فقد قال تعالى: "وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (46)" فجاء بالشكر فقط وكذلك في سورة النحل: "وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (14)" وفي سورة فاطر: "َمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيّاً وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ 12" وفي سورة يونس: "هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ 22" وفي سورة الجاثية: "اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ 12". وهناك أمر آخر وهو أن كلمة صبّار لم تأت وحدها في القرآن كله وإنما تأتي دائماً مع كلمة شكور وهذا لأن الدين نصفه صبر ونصفه الآخر شكر كما في قوله تعالى في سورة ابراهيم: "وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآَيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ 5" وفي سورة سبأ: "فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ 19" والآن نسأل لماذا استعمل صيغة صبّار على وزن (فعّال) وهذا السؤال يدخل في باب صيغ المبالغة وهو موضوع واسع لكننا نوجزه هنا فيما يخصّ السؤال. أشهر صيغ المبالغة : مِفعال وفعّال وفعول، وكل منها لها دلالة خاصة. مِفعال: مثل (معطاء ومنحار ومعطار) هذه الصيغة منقولة من الآلة كـ (مفتاح ومنشار) فنقلوها إلى المبالغة، فعندما يقولون هو معطاء فكأنه صار آلة للعطاء، وقولنا امرأة معطار بمعنى زجاجة عطر أي أنها آلة لذلك. والدليل على ذلك أن صيغة المبالغة هذه (مِفعال) تُجمع جمع الآلة ولا تُجمع جمع المذكر السالم ولا جمع المؤنث السالم، فنقول مثلاً مفتاح مفاتيح، ومنشار مناشير، ومحراث محاريث، هذا في جمع اسم الآلة، ونقول في جمع صيغة مفعال: رجل مهذار ورجال مهاذير، فيجمع جمع الآلة، ولذلك لا يؤنث كالآلة يا موقد النار بالهندي والغار *** هيجتني حزناً يا موقد النار بين الرصافة والميدان أرقبها *** شُبّت لغانية بيضاء معطار وهذه الصيغة لا تؤنث إفرادا ولا جمعا، فلا نقول معطارات وإنما نجمع معطار على معاطير، فنقول نساء معاطير ورجال معاطير، وامرأة مهذار رجال مهاذير..فهي من الصيغ التي يستوي فيها المذكر والمؤنث، ولا تجمع جمعا سالما، فلا نقول امرأة معطارة ولكن نقول امرأة معطار ورجل معطار ، ونجمعها جمع الآلة (معاطير) للرجال والنساء. هذه هي القاعدة صيغة فعّال:منقولة من الحِرفة. والعرب أكثر ما تصوغ الحِرَف على وزن فعّال مثل نجّار وحدّاد وبزّاز وعطّار ونجّار. فإذا جئنا بالصفة على وزن الصيغة (فعال) فكأنما حرفتُه هذا الشيء. فإذا قلنا عن إنسان أنه كذّاب فكأنما يحترف الكذب كالنجّار الذي حرفته النجارة. إذن هذه الصيغة هي من الحِرفة والصنعة، والصنعة تحتاج إلى المزاولة. وعليه فإن كلمة صبّار تعني الذي حرفته الصبر. وقد وردت هذه الصيغة في القرآن الكريم في صفات الله تعالى فقال تعالى "فعّال لما يريد"، ويقول الله تعالى (غفّار) بعدما يقول (كفّار) ليدلّ على أن الناس كلما أحدثوا كفراً أحدث الله له مغفرة إذا استغفروا "فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا 10" نوح، صيغة فعول: مأخوذة من (المادة والمواد) مثل الوَقود وهو الحطب الذي يوقد ويُستهلك في الاتّقاد، والوَضوء الماء الذي يُستهلك في الوضوء، والسَّحور ما يُؤكل في السحر، والسفوف وهو ما يُسفّ، والبَخور وهو ما يُستهلك في التبخر. والعَيون والأنوف وهي أدوية، فصيغة فعول إذن تدل على المادة التي تُستعمل في الشيء خاصة به. وصيغة فعول يستوي فيها المؤنّث والمذكرفنقول رجل شكور وامرأة شكور. ولا نقول شكورة ولا بخورة ولا وقودةً. وصيغة فعول أيضا لا تُجمع جمع مذكر سالما ولا جمع مؤنّث سالما فلا نقول رجال صبورون أو نساء صبورات، وإنما نقول (صُبُر وشُكُر وغُفُر). وعليه فإن كلمة شكور التي هي على وزن صيغة فعول منقولة من المادة وهي الصبر، وتعني أن من نصفه بالصبور فهو كله صَبُْر، وهو يفنى ويُستنفد في الصبر كما يُستنفد الوقود في النار. وكذلك كلمة غفور بمعنى كله مغفرة، ولذلك قالوا أن أرجى آية في القرآن هي ما جاء في سورة الزُمر في قوله تعالى: "قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ 53". وهنا نسأل: أيهما أكثر مبالغة فعول أو فعّال؟ فعول بالتأكيد أكثر مبالغة من فعّال، ولذلك فكلمة صبور هي أكثر مبالغة وتعني أنه كله يفنى في الصبر، أما كلمة صبّار فهي بمعنى الحِرفة. ونسأل أيضاً أيهما ينبغي أكثر في الحياة الصبر أو الشكر؟ الشكر يكون أكثر بالتأكيد؛ لأن الشكر يكون على نعم الله تعالى علينا، وهي نعم كثيرة، وينبغي علينا أن نشكر الله تعالى عليها في كل لحظة لأننا في نعمة من الله تعالى في كل لحظة. وقد امتدح الله تعالى إبراهيم عليه السلام بقوله: "إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ 120 شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ 121" النحل واستعمل كلمة (أنعُم) لأنها تدل على جمع القِلّة لأن نِعم الله تعالى لا تُحصى فلا يمكن أن يكون إنسان شاكرا لنعم الله، وهو في نعمة في كل أحواله، هو في نعمة في قيامه وقعوده ونومه .. الخ، كما جاء في قوله تعالى: "وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ 18" النحل. وعليه فإن الشكر يجب أن يكون أكثر من الصبر لأن الصبر يكون كما أسلفنا إما عند الطاعات وهي لها أوقات محددة وليست مستمرة كل لحظة كالصلاة والصيام،أو الصبر على الشدائد وهي لا تقع دائماً وكل لحظة على عكس النِّعم التي تكون مستمرة في كل لحظة ولا تنقطع لحظة من لحظات الليل أو النهار، وتستوجب الشكر عليها في كل لحظة لأن الإنسان يتقلب في نعم الله تعالى ومما تقدّم نقول أنه تعالى جاء بصيغة صبّار على الحِرفة فيكفي أن يكون الإنسان صبّاراً ولا يحتاج لأن يكون صبوراً. وجاء بصيغة شكور لأن الإنسان ينبغي أن يشكر الله تعالى على الدوام وحتى لو فعل فلن يوفّي الله تعالى على نِعَمه.
ما سبب تقديم الجار والمجرور في سورة (يس): " وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ 20" وتأخيره في سورة القصص: " وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ 20" ؟ المعنى مختلف قطعا من جيث الدلالة اللغوية، فإن قلنا : (جاء من القرية رجل) فالمجيء من القرية قطعا، وإن قلنا: (جاء رجل من القرية) فهذا تعبير احتمالي، قد يكون جاء من القرية، وقد يكون الرجل قرويا ولكن مجيئه لم يكن من القرية تحديدا، فإنا إن قلنا: (رجل رجل من مصر) فليس المعنى بالضرورة أنه جاء من مصر البلد الآن، وإنما يحتمل أن يكون المعنى أنه رجل أصله من مصر، ولا يشترط أن يكون قادما منها، ولكن إن قلت: (جاءني من مصر رجل) فهذا ييعني أنه قدم من مصر قطعا قوله تعالى: "وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى" احتمال أنه جاء من أقصى المدينة، واحتمال أنه هو من سكان أقصى المدينة أما قوله في يس: "وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى" فهو قد جاء من أقصى المدينة بالفعل، وقد كان مجيئه لإشهار إيمانه وإبلاغ الدعوة الرسل قالوا: "وما علينا إلا البَلاغُ المبين" والبلاغ المبين يعني الواضح الظاهر الذي يعم الجميع، فإن خفي عن بعض فليس مبينا، فمجيئه من أقصى المدينة يعني أن البلاغ وصل إلى أبعد نقطة فيها. فجاء هذا الرجل وهو يحمل هذا الإيمان لإعلان إيمانه. أما صاحب موسى في القصص فقد كان مجيئه لإسرار أمر في أذن موسى، فالمجيئان مختلفان، ولا شك أن المجيء للدعوة وتبليغها وإعلان الإيمان أهم في ميزان الله وأثقل وأولى أن يُبدأ بأقصى المدينة إضافة: يمكن أن نضيف من المعاني إلى ذلك أن هذا الرجل قد جاء منمكان بعيد متجشما عناء الطريق ليؤمن ويدعو إلى الله، أما هؤلاء القريبين من الرسل الذين تصلهم الدعوة بلا عناء فهم ل يبالون بها ولا يحسنون قبولها
تتقدم صفة الغفور على صفة الرحيم في آيات القرآن الكريم إلا في سورة سبأ حيث قال عز وجل في الآية الثانية : " يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ" فما سر ذلك؟ هذه الآية هي الآية الوحيدة التي قدم فيها صفة الرحيم على صفة الغفور في القرآن كله، فحيث اجتمعا فيما سواها قال (الغفور الرحيم) إلا في هذا الموطن ولنبدأ بمعرفة معاني كل منهما (فالغفور) صفة متعلقة بالمكلّفين من الثقلين أما (الرحيم) فهي صفة عامة تطلق على المكلف وغير المكلف كالرضع والحيوانات، فالرحمة أوسع وأعم من المغفرة، لأن المغفرة خاصة بالمكلفين المذنبين وكان ما تقدم هذين الاسمين عاما في هذا الموضع : "يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاء وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ " في كل القرآن الكريم حيث اجتمع هذان الاسمان الكريمان تقدم ذكر للإنسان بأي صورة من الصور، أما هنا فلم يتقدم ذكر الإنسان، بل تأخر، فالسورة تبدأ : "الحََمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ . يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاء وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ " ثم قال في الآية الثالثة : "وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ" فتأخر ذكر أصناف البشر ولذلك تأخرت المغفرة
قال تعالى في سورة الأنعام الآية 32 : " وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ" فقدم اللعب على اللهو في وصف الدنيا، أما في مواضع أخرى مثل سورة العنكبوت 64 فقد قال: " وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ" ، فما سبب ذلك؟ كل الآيات القرآنية التي تصف الدنيا باللعب واللهو تم تقديم اللعب على اللهو إلا في سورة العنكبوت أما معرفة السر وراء ذلك فتتجلى لنا بالرجوع إلى السياق القرآني في السورة المقصودة فقبل هذه الآية في العنكبوت جاء قوله تعالى: " اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ . وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّن نَّزَّلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِن بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ" العنكبوت 63 و 64 والرزق من مدعاة الالتهاء بجمعه وليس مدعاة لعب لذلك أيضا قال تعالى: " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ" المنافقون 9 فالرزق وطلب الرزق يشغل الإنسان ويلهيه لذلك نهى الله تعالى عن الالتهاء به، والذي بسط عليه الرزق منشغل في جمعه، ومن قُدِر عليه الرزق هو أيضا ملته بطلبه والبحث عنه والفكر به، لذلك قدم اللهو على اللعب في هذه الآية، أما الآيات الأخرى فلم يرد فيها مثل هذا الأمر
قال تعالى في سورة الأنعام الآية 32 : " وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ" فقدم اللعب على اللهو في وصف الدنيا، أما في مواضع أخرى مثل سورة العنكبوت 64 فقد قال: " وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ" ، فما سبب ذلك؟ كل الآيات القرآنية التي تصف الدنيا باللعب واللهو تم تقديم اللعب على اللهو إلا في سورة العنكبوت أما معرفة السر وراء ذلك فتتجلى لنا بالرجوع إلى السياق القرآني في السورة المقصودة فقبل هذه الآية في العنكبوت جاء قوله تعالى: " اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ . وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّن نَّزَّلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِن بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ" العنكبوت 63 و 64 والرزق من مدعاة الالتهاء بجمعه وليس مدعاة لعب لذلك أيضا قال تعالى: " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ" المنافقون 9 فالرزق وطلب الرزق يشغل الإنسان ويلهيه لذلك نهى الله تعالى عن الالتهاء به، والذي بسط عليه الرزق منشغل في جمعه، ومن قُدِر عليه الرزق هو أيضا ملته بطلبه والبحث عنه والفكر به، لذلك قدم اللهو على اللعب في هذه الآية، أما الآيات الأخرى فلم يرد فيها مثل هذا الأمر
* ما السر في تقديم ذكر (في سبيل الله) على نوع الجهاد (بالمال والنفس) وتأخيره حينا كقوله تعالى في سورة التوبة 20 : " الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ" حيث قدم (في سبيل الله) على نوعية الجهاد، وقال عز وجل في الأنفال72 "إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ" فقدم ذكر الجهاد بالأموال على قوله (في سبيل الله)؟ نلحظ في الآيات القرآنية خطا عاما يوضح لنا سبب هذا التقديم والتأخير في الآيات التي تتحدث عن الجهاد فإذا كان السياق في جمع الأموال وحبا لمال قدم ذكرَ التضحية به، وإذا كان السياق في القتال وليس في الأموال أو القعود عن الجهاد أخّـر الأموال، فهذا من باب التناسب بين الكلام ومناسبة المقال للمقام فلو عدنا إلى الآيات السابقة في سورة الأنفال لوجدنا حديثا عن المال والفداء وأخذه من الأسرى والغنائم ، وهذه الآية نفسها وردت تعقيبا على قوله تعالى: " وما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض تريدون عرض الدنيا" وعرض الدنيا هو الفداء الذي أخذه من الأسرى وهو المال ، فعاتبهم على أخذ المال ثم قال: (لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم) والذي أخذوه هو المال الذي افتدى الأسرى به أنفسهم ، ثم قال: (كلوا مما غنمتم حلالا طيبا) فالسياق أصلا في المعاتبة على أخذ المال من الأسرى لذلك قدم المال لأنه كان مطلوبا لهم فطلب أن يبدؤوا بالتضحية به، فكان التقديم للاهتمام به لأنهم يهتمون به أما لو عدنا إلى سورة التوبة لرأينا ه كله في الجهاد وليس المال "قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ" ـ التوبة:14 " أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلا رَسُولِهِ وَلا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ" ـ التوبة:16 "أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ" ـ التوبة:19 فالسياق حدد التقديم وما يجب أن يتقدم ، فلما كان هناك في أخذ الأموال وكان المال مطلوبا لهم قدم المال على (في سبيل الله) وهنا العكس فأخر المال
قال الله تعالى في الوضوء: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ 6" ـ المائدة فلماذا قال عن الأيدي (إلى المرافق) مع إنهما مرفقان ، وقال عن الرجلين (إلى الكعبين) ولم يقل الكعوب على الجمع مثل المرافق ولأن الكعبين هما العظمان الناتئان على طرفي القدم فهي أربعة كعوب؟ ج: كل يد لها مرفق واحد، وكل رجل لها كعبان فلما خاطب الجميع قال: (إلى المرافق) وفي الوضوء لا بد أن يستغرق الغسل الكعبين، فلو قال: إلى الكعوب، لم يدل على أن الكعبين كليهما داخلان في الغسل، وإنما كعوب الناس المخاطَبين بقوله: (يا أيها الذين آمنوا)، وعندها فلو غسلوا كعبا واحدا ـ والمخاطبون كثر ولهم كعوب ـ لكفاهم ما ادام المذكور هو (الكعوب) لذلك قال (إلى الكعبين) حيث المعنى: كل واحد من المخاطبين عليه أن يغسل إلى الكعبين. فلا يصح أن يقول (إلىالكعوب) وإلا لأوقع في اللبس
* ما السر في تقديم ذكر (في سبيل الله) على نوع الجهاد (بالمال والنفس) وتأخيره حينا كقوله تعالى في سورة التوبة 20 : " الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ" حيث قدم (في سبيل الله) على نوعية الجهاد، وقال عز وجل في الأنفال72 "إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ" فقدم ذكر الجهاد بالأموال على قوله (في سبيل الله)؟ نلحظ في الآيات القرآنية خطا عاما يوضح لنا سبب هذا التقديم والتأخير في الآيات التي تتحدث عن الجهاد فإذا كان السياق في جمع الأموال وحبا لمال قدم ذكرَ التضحية به، وإذا كان السياق في القتال وليس في الأموال أو القعود عن الجهاد أخّـر الأموال، فهذا من باب التناسب بين الكلام ومناسبة المقال للمقام فلو عدنا إلى الآيات السابقة في سورة الأنفال لوجدنا حديثا عن المال والفداء وأخذه من الأسرى والغنائم ، وهذه الآية نفسها وردت تعقيبا على قوله تعالى: " وما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض تريدون عرض الدنيا" وعرض الدنيا هو الفداء الذي أخذه من الأسرى وهو المال ، فعاتبهم على أخذ المال ثم قال: (لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم) والذي أخذوه هو المال الذي افتدى الأسرى به أنفسهم ، ثم قال: (كلوا مما غنمتم حلالا طيبا) فالسياق أصلا في المعاتبة على أخذ المال من الأسرى لذلك قدم المال لأنه كان مطلوبا لهم فطلب أن يبدؤوا بالتضحية به، فكان التقديم للاهتمام به لأنهم يهتمون به أما لو عدنا إلى سورة التوبة لرأينا ه كله في الجهاد وليس المال "قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ" ـ التوبة:14 " أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلا رَسُولِهِ وَلا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ" ـ التوبة:16 "أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ" ـ التوبة:19 فالسياق حدد التقديم وما يجب أن يتقدم ، فلما كان هناك في أخذ الأموال وكان المال مطلوبا لهم قدم المال على (في سبيل الله) وهنا العكس فأخر المال
قال تعالى: "وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْداً فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ) (البقرة:80) وقال سبحانه: "ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ) (آل عمران:24) فلماذا عبّر في الأولى عن مدة مس النار بالأيام المعدودة، وعبر في الثانية بالأيام المعدودات؟ ج: جمع غير العاقل إن كان بالإفراد يكون أكثر من حيث العدد من الجمع السالم كأنهار جارية وأنهار جاريات، فالجارية أكثر من الجاريات، ومثلها شاهقة وشاهقات فالعدد في الأولى أكثر، وجمع السالم قلة فهذه من المواضع التي يكون فيها المفرد أكثر من الجمع. قال في آية أخرى عن يوسف عليه السلام: "وشروه بثمن بخس دراهم معدودة" أي أكثر من 11 درهما، ولو قال معدودات لكان ت أقل. وفي الآيتين المتقدمتين قال في الأولى (أياما معدودة) وفي الثانية (أياما معدودات) لأن الذنوب التي ذُكرت في الأولى أكثر فجاء بمعدودة التي تفيد الكثرة، والتي ذكرت في الثانية أقل فاستعمل (معدودات) مناسبة لمعنى كل منهما.
قال تعالى في سورة العنكبوت الآية 63 "وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ" وجاءت آيات أخرى تقول: (الأرض بعد موتها) بدون الحرف (من) فما الحكمة من ذلك؟ الآية 63 من سورة العنكبوت هي الآية القرآنية الوحيدة التي جاء فيها هذا التعبير: (من بعد موتها) أما الآيات الأخرى كلها فقد جاءت بدون (من) مثل قوله تعالى: "إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ" " وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ" (النحل:65) " يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ" (الروم:19) "وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ" (الروم:24) "فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ" (الروم:50) "وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَاباً فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ" (فاطر:9) "وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ" (الجاثـية:5) "اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ" (الحديد:17) ولا بد لنا من معرفة الفرق بين التعبيرين لنصل إلى سبب اختلافه في الموقفين (بعد موتها) تعبير احتمالي، يحتمل البعدية القريبة والبعدية البعيدة، فقد يكون إحياء الأرض بعد ساعة أو بعد شهر أو بعد سنة أو أكثر من بدء موتها أما التعبير (من بعد موتها) فإن (من) فيه لابتداء الغاية، والمعنى أنه يحييها رأسا بعد الموت فهو دال على البعدية القريبة قطعا، وهو أدل على القدرة لأنه لا يحتاج إلى زمن ليحييها، بل هو قادر على إحياء الميت لحظة موته ولا يحتاج إلى زمن لإعادته ولنعد لننظر إلى سياق المواقف التي وردت فيها الآيات لنتلمس سبب تخصيص كل سياق بتعبير منهما، فنجد أن سورة العنكبوت كان سياقها في محاكمة المشركين من ناحية عقلية: "وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ . اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ . وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّن نَّزَّلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِن بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ " ثم جاء هذا السؤال عن إحياء الأرض ، وهم قد أقروا بقدرة الله البالغة في الأسئلة السابقة وهذا السؤال يقول إنه يحيي الأرض بعد موتها مباشرة بلا مهلة، فهي قدرة بالغة (قل الحمد لله). هل هذا يدعوكم إلى الشرك ، لذلك قال : (بل أكثرهم لا يعقلون) فنفى عنهم العقل لأن هذا يُعقَل حتى دون علم، فالعقل المجرد يهديهم إلى أن الله واحد لا شريك له، فنعى عليهم عدم استعمال العقول، وقبل هذا جاء أيضا في السورة نفسها قوله تعالى: "وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ "
ـ (البقرة:164)
ترد كلمة الملائكة في القرآن الكريم ومعها الفعل بالتذكير مرة وبالتأنيث مرة أخرى
فما أسباب هذا الاختلاف وهل هو جائز أصلا؟
أما من حيث الجواز فهو جائز طبعا
لأن الملائكة ليست جمعا مذكر سالما فيجوز تذكير الفعل ويجوز التأنيث
وهذا تلخيص سريع لمواضع تأنيث الفعل من حيث الوجوب والجواز
إذا كان الفاعل مؤنثاً أنث فعله بتاء ساكنة في آخر الماضي ، وبتاء المضارعة في أول المضارع ، نحو : قامت هند ، وتقوم هند .
وهذا قد يجب وقد يجوز
فيجب
ـ إذا كان الفاعل ضميراً مستتراً عائداً على مؤنث حقيقي التأنيث ، نحو : هند قامت أو هند تقوم
ـ أو مجازيِّ التأنيث ، نحو : الشمس طلعت أو الشمس تطلع .
ـ إذا كان الفاعل اسماً ظاهراً متصلاً بعامله مباشرة ، حقيقي التانيث ، كقوله ، تعالى ( إذ قالت امرأة عمران )
ويجوز تأنيث الفعل في ثلاثة مواضع:
ـ إذا كان الفاعل أو شبهه ( نائب الفاعل ، اسم الفعل الناسخ ) اسما ظاهرا حقيقي التأنيث مفصول عن الفعل مثل سعى بين الصفا والمروة المؤمنة ويجوز سعت
ـ إذا كان الفاعل أو شبهه جمع تكسير ذبلت الأوراق ويجوز ذبل الأوراق
ـ إذا كان الفاعل أو شبهه اسما ظاهرا مجازي التأنيث اندلعت الحرب ويجوز اندلع الحرب
ولكن السؤال: هل هناك خطة معينة سار عليها القرآن في ترتيب هذه الأفعال؟ ولماذا اختار الله عز وجل بعض المواضع ليكون الفعل معها مذكرا ومواضع أخرى جاء الفعل مؤنثا؟
بعد استقراء الآيات القرآنية التي تحدثت عن الملائكة تم التوصل إلى الملحوظات التالية، التي تبين خطا تعبيريا مميزا سار عليه القرآن في استعمال الفعل مع (الملائكة) ، ولها حِكم وأسرار تخص هذا الترتيب البديع في الاستعمال، قد يدرك العلماء بعضها ويغيب عنهم يعضها ولكنه لا ينقص من قدر هذا التميز بل يدفع للتفكير فيه ومحاولة النسج على منواله:
ـ كل فعل أمر يصدر للملائكة يكون بالتذكير: اسجدوا ، أنبئوني، فثبتوا
ـ كل فعل للعبادة يأتي بالتذكير: "فسجد الملائكة كلهم أجمعون" ، " فقعوا له ساجدين"، "لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون"
وقد يكون ذلك لما تتطلبه العبادة من قوة ، ولأن المذكر في العبادة أكمل، وقد قال عز وجل: "وما أرسلنا قبلك إلا رجالا نوحي إليهم"، وقال عن مريم عليها السلام : وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ ـ التحريم:12
ـ كل فعل يقع بعد ذكر الملائكة يكون بالتذكير، أي الفعل الذي يتأخر عن الملائكة يكون بالتذكير: "والملائكة يدخلون عليهم من كل باب" ، " وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُون" ، "وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ" ، "لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين"
ـ كل وصف اسمي للملائكة يكون بالتذكير:
* إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ ـ آل عمران:124
* بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةُ مُسَوِّمِينَ ـ آل عمران125
* وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُون ـ النساء
* والْمَلائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ ـ الأنعام
* إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ ـ لأنفال:9
* وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِين ـ الزمر:75
* فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلائِكَةُ مُقْتَرِنِين ـ الزخرف:53
ـ العقوبات تأتي بالتذكير، ولو كانت عقوبة جاءت في موضعين فالأشد منهما بالتذكير
* وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ ـ لأنفال:50
* فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ ـ محمد:27
من الآية نفسها نلاحظ الشدة في الثانية بذكر عذاب الحريق، وتتبع بقية آيات السورة يرينا أنه تم تشبيههم بآل فرعون، فالسياق جاء بالشدة فذكر الفعل، أما الآية الثانية فكان السياق أخف فجاء بالتأنيث
* وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنْزِيلاً ـ الفرقان:25
* إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ـ فصلت:30
الفعل واحد هو النزول، ولكن حالة الشدة جاء الفعل فيها مذكرا، أما جو الطمأنينة فقد استدعى التأنيث
وفي المقابل لم تأت بشرى من الملائكة بصيغة التذكير، بل كل البشارات بالتأنيث
ولعل ذلك لما في البشارة من رقة وما يتناسب معها من لطف وخفة وذلك من خصائص الإناث
* وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ــ البقرة:248
*إِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ ـ آل عمران
* وَإِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ ـ آل عمران:42
* فَنَادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقاً ـ آل عمران
* إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ) (فصلت:30)
قال تعالى في سورة التوبة 62: " يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ" فلمَ لمْ يقل أحق أن يرضوهما؟ إرضاء الله تعالى وإرضاء رسوله عليه الصلاة والسلام أمر واحد وليسا أمرين مختلفين، فمن أرضى الله تعالى فقد أرضى رسوله، ومن أرضى الرسول فقد أرضى الله عز وجل. قال تعالى: " مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً" ـ النساء:80 لذلك وحد الضمير العائد عليهما للتأكيد على أن إرضاءهما واحد وسيلةً وغاية ل
قال تعالى في سورة النساء: "مَن يَشفَعْ شفاعَةً حَسَنةً يكن له نصيبٌ منها ومَن يَشفَعْ شفاعَة سيئة يكن له كِفْلٌ منها وكان الله على كلّ شيء مقيتا" لم قال عن الشفاعة الحسنة (يكن له نصيب منها) وعن الشفاعة السيئة (يكن له كفل منها)؟ من معاني (الكِفل) في اللغة : النصيب المساوي، المثل . والكفيل يضمن بقدر ما كفل ليس أكثر أما(النصيب) فمطلق غير محدد بشيء معين لذلك قال الله عز وجل عن السيئة (يكن له كفل منها) ؛ لأن السيئة تجازى بقدرها " من عمل سيئة فلا يجزى إلا مثلها" غافر 40 أما الحَسَنة فتضاعف كما قال تعالى : " مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا " الأنعام 160. وقال عز وجل : "مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا " القصص 84 فقال عن حامل السيئة أن له الكفل أي المثل، أما صاحب الشفاعة الحسنة فله نصيب منها والنصيب لا تشترط فيه المماثلة وهذا من عظيم فضل الله عز وجل وورد في الحديث الشريف أنه عليه الصلاة والسلام قال فيما يرويه عن ربه: إن الله كتب الحسنات والسيئات، ثم بين ذلك: فمن هَمّبحسنة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة، وإن همّ بها فعملها كتبها الله عنده عشر حسنات إلى سبعمئة ضعف إلى أضعاف كثيرة، وإن همّ بسيئة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة، وإن همّ بها فعملها كتبها الله سيئة واحدة"
لماذا جاء الفعل يهدي بالتشديد في قوله تعالى في سورة يونس في الآية 35: " قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ"؟ الفعل يهِدّي أصله هو الفعل (يهتدي) وقد طرأ عليه الإبدال، إذ أبدلت التاء دالا ، ومثلها من الأفعالا لتي وقع فيها الإبدال (ازّين ، ادكر) فالإبدال واقع في هذه الكلمة وفق قواعد صرفية معلومة، ولكن لم جاء الفعل بالإبدال (يهِدّي) ولم يأت على صورته الأصلية؟ الفعل (يهدّي) فيه تضعيف الدال، والتضعيف في الغالب يفيد التكثير والمبالغة، ولو تأملنا في سياق هذه الآيات لوجدنا أن هذه المبالغة تناسب المقام هنا دون مكان آخر فالحديث هنا عن الأصنام (هل من شركائكم) والأصنام ليست كالبشر، فنفى الاهتداء بصيغة تحمل معنى المبالغة لتؤكد عدم قدرة الشركاء (الأصنام) على الهداية أما الآيات الأخرى في القرآن الكريم فقد جاء فيها الفعل (يهتدي) ولم يكن قد سبقه حديث عن مثل هؤلاء الشركاء، بل هذا هو الموقع الوحيد الذي جاءت فيه الهداية مع الأصنام فاستعملت هذه الصيغة إذ ليست الأصنام كالبشر فكيف تهدي أو تهتدي وإن عدنا إلى الآيات التي قبلها لرأينا قوله تعالى "أمّن يملك السمع والأبصار" وإذا فقد السمع أو فقد البصر يكون الاهتداء قليلا فكيف إن فقدهما معا؟ فصارت هذه الآية وهذا الفعل مبالغة في تأكيد عدم الهداية وهناك قراءة أخرى للآية بفعل (يهدي) وهي موافقة لرسم المصحف وهذه أيات أخرى جاء فيها الفعل (يهتدي) قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ) (يونس:108) مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً) (الاسراء:15) )َأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ) (النمل:92) قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ) (النمل:41)
قال تعالى في سورة الأنعام في الآية 99: "وَهُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُّخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُّتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِن طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِّنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انظُرُواْ إِلِى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ" وقال أيضا في الآية 141: "وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَ جَنَّاتٍ مَّعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُواْ مِن ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ" فلم عبر في الأولى بالاشتباه وفي الثانية بالتشابه؟ * الاشتباه هو شدة التشابه إلى حد يؤدي للالتباس ، أما التشابه فلا يصل إلى حد اللبس، فالاشتباه أدق وأقوى وأكثر دلالة على القدرة والآية الأولى فيها بيان القدرة وتعداد الأعمال في موضع تدبر ودعوة للنظر (انظروا إلى ثمره) فكان من المناسب أن يأتي بما هو أدل على القدرة أما الثانية فهي في سياق ذكر الأطعمة وتعدادها وليس التدبر والنظر، وفي نهايتها قال: (كلوا من ثمره) وليس مقام توجيه النظر إلى دلائل القدرة مباشرة وقد نفى التشابه في الحالين (غير متشابه) ولكنه لم ينف الاشتباه، لأن نفي التشابه ينفي الاشتباه، ونفي الاشتباه لا ينفي التشابه، فلو نفى الاشتباه لبقي التشابه، ولو نفي التشابه فمن باب أولى عدم الاشتباه ، لأن التشابه أقل درجة من الاشتباه فانتفاء القليل يقتضي انتفاء الشديد
ما سر استعمال صيغة (فُعَلَة) في قوله تعالى: "ويل لكل هُمَزَة لُمَزة"؟ ولمَ لمْ يستعمل صيغة (فَعّـال) فيقول: هَمّـاز لَمّـاز مثلما قال في سورة القلم "حَلافٍ مَهين . هَمّاز مَشّاءٍ بنَميم"؟ * لا بد من التطرق هنا إلى صيغ المبالغة ودلالاتها والفروق بينها، فكلمة (هماز) صيغة مبالغة على وزن (فعّال)، وهذه الصيغة ـ كما يقول أهل اللغة تدل على الحِرفة والصنعة ، فيقال لمحترف النجارة نجّار، ولمحترف الحِدادة حدّاد، وتشتهر عندهم أسماء المهن على هذا الوزن كالفتال والزراد والخراط والصفار والنحاس والبزاز. فكلمة (كذاب) عندما تطلق على أحد فإنها تدل على أن هذا صار كأن الكذب حرفته التي يحترفها كما أن حرفة ذاك هي النجارة أو الحدادة. وهذه الصيغة تقتضي المزاولة، لأن صاحب الصنعة يداوم على صنعته. ونقرأ في سورة نوح قوله تعالى: " ولا يَلِدوا إلا فاجِرا كفّـارا" فكأن الكفر ديدنهم ومهنتهم اللازمة لهم لن يخرجوا عنه، ونقرأ في السورة نفسها قوله تعالى: "فقُلْتُ اسْتَغفِروا رَبّكُم إنّهُ كانَ غَفّـارا" فالله تعالى غفار، وكلما أحدث العبد ذنبا أحدث الله له مغفرة مما تقدم نتبين أن صيغة (فعال) في أصلها تفيد الصنعة والحرفة والمداومة والمزاولة أما (هُمَزة) فهذه من المبالغة بالتاء. المبالغة بالتاء أكثر من نوع وييمكن أن نجعلها في نوعين، هما: ـ ما أصله غير مبالغة ، ثم بولغ بالتاء، كالراوي، فنقول عند المبالغة (راوية) ـ ما أصله صيغة مبالغة ثم نأتي بالتاء لتأكيد المبالغة وزيادتها ، مثل : (هُمزة) فأصلها (هُمَز) وهي من صيغ المبالغة مثل (حُطَم ـ لُكَع ـ غُدَر ـ فُسق) ، فنأتي بالتاء لزيادة المبالغة . ويقول أهل اللغة : ما بولغ بالتاء يدل على النهاية في الوصف .. الغاية في الوصف فليس كل (نازل) يسمى (نازلة)، ولا كل (قارع) يسمى (قارعة) حتى يكون مستطيرا عاما قاهرا كالجائحة، ومثلها القيامة والصاخة والطامة فهذا التأنيث للمبالغة بل الغاية في المبالغة، وهذا ما تدل عليه كلمة (هُمَزة) إذن نحن أمام صيغتين للمبالغة إحداهما تدل على المزاولة، والأخرى على النهاية في الوصف ... ها هو الفرق بينهما * والسؤال الآن بعد أن عرفنا الفرق بينهما: لماذا اختار وضع هذه هنا وهذه هناك ؟ من استقراء سورة القلم نلحظ أنها تتحدث عن التعامل مع الخلق بين الناس، فكل مشاهد السورة أو اغلبها تدور حول هذا الأمر : "وإنك لعلى خلق عظيم"، فهي تتناول السلوكيات ولا تذكر العاقبة إلا قليلا وهي التي وردت في قوله: "سَنَسمُه على الخرطوم" ولكنه لم يذكر شيئا آخر من عاقبة مرتكب هذا الفعل (حلاف مهين هماز مشاء بنميم) أما في سورة الهمزة فقد ذكر النتيجة وتعرض للعاقبة، لذلك ناسب أن يذكر بلوغه النهاية في الاتصاف بهذه الصفة، وناسب أيضا أن يذكر في الجزاء صيغة مماثلة فقال تعالى: "كَلا لَيُنْبَذنّ في الحُطَمَة" والنبذ إذلال، والحُطَمة صيغة مبالغة بالتاء تدل على النهاية في الحطم، وهي تفيد أن الجزاء من جنس العمل فكما أنه يبالغ في الهمز فسيكون مصيره مماثلا في الشدة ونلاحظ أيضا من السورة أن الخارج والمتعدي يحبس في النار وهكذا في قوانين الدنيا أيضا. أما في سورة القلم التي تركز على التعامل فقد ذكر لهم صفات مثل: مكذبون، حلاف، هماز، كان ذا مال وبنين. وهذه الصفات لا تستوجب الطاعة فلا تطعه بسبب كونه ذا مال وبنين، والبنون كناية عن القوة والمنعة ،فالعربي صاحب عزة في عشيرته ببنيه ولكن المال والقوة هما سبب الخضوع والانقياد في الأفراد والشعوب مهما كانت حقيقة صاحب المال من أخلاق سوء وإثم واعتداء فإن لها القوة لما لها من مال وقوة وهذا مشاهد في واقعنا وهو سبب استعلاء الدول القوية صاحبة هذا المال وتلك القوة على الشعوب المستضعفة. فالملحوظ هنا أن سورة القلم لم تتطرق إلى نهايتهم بل اكتفت بالأمر بعدم طاعتهم، أما الهمزة فقد ذكرت نهايتهم بتفصيل، وهذه هي الآيات الكريمات
وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة : يونس وسبأ " وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ" ـ يونس:61 " وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ" ـ سـبأ:3 نحتاج إلى توضيح الفروق بين ـ ما يعزُب ، لا يعزب ـ مثقال ، من مثقال ـ السماء ، السموات ـ تقديم وتأخير ـ أصغرَ ، أصغرُ ـ عن ربك ، عننه بداية الآية مختلفة ، التذييل متشابه آية سبأ جاءت تذييلا وتعقيبا للحديث عن الساعة آية يونس جاءت لبيان مقدار إحاطة علم الله بكل شيء، وسعة ذلك العلم ترتب على هذا اختلاف التعبير بين الآيتين ـ لا يعزُب ، ما يعزب * لفرق بين (لا) و (ما) عند دخولها على المضارع _ (لا) كما يقول أكثر النحاة للاستقبال الزمخشري: (لا) و (لن) أختان في نفي المستقبل ـ رأي آخر (يفضله الدكتور) (لا) مطلقة، قد تكون للاستقبال فعلا، مثل: "لا تفتح لهم أبواب السماء" ، و "لا تجزي نفس عن نفس شيئا" وقد تكون للحـال: "ما لي لا أرى الهدهد .. "، "أفلا يرون ألا يرجع إليهم قولا" ، " ما لكم لا تنطقون"، " لهم قلوب لا يعقلون بها .. " والسبب أن (لا) أقدم حرف نفي في العربية ، وكل الحروف جاءت بعدها، لذلك فاستعمال (لا) واسع، فهو أوسع حرف في العربية، يدخل في الماضي والمضارع والمستقبل والحال، يدخل على الأسماء النكرات والمعارف ، الاستغراق وغير الاستغراق * في آية سبأ: "لا تأتينا الساعة" نفوا شيئا مستقبليا ، فرد عليهم بـ (لا) "لا يعزب" ، ثم إنه أقسم "بلى وربي" جوابه في المضارع لتأتينه وجوابه في النفي (لا) يقول سيبويه: (لأفعلن) نفيه (لا أفعل) إذن اقتضى المقام كله النفي بلا، فناسبت الآية (لا) من كل جهة 1ـ الاستقبال 2ـ القسم المتقدم إثباته وجوابه * أما آية يونس فالكلام ليس عن مستقبل ، بل عن الحال فناسب أن يأتي بـ (ما) ـ عنه، عن ربك في آية يونس (عن ربك) ـ وقال في سبأ (عنه) إذ تقدم في سبأ "بلى وربي" ، أي تقدم ذكر الرب، ولم يأت في يونس ـ عالم الغيب عالم (اسم فاعل) جاءت في سورة سبأ، لا تأتي في القرآن إلا مع الغيب المفرد أما علام فتأتي مع الغيوب لأنها صيغة مبالغة تقتضي التكثير نظيرها (غافر) تختص بالذنب، أما (غفور) فعامة ـ مثقال ، من مثقال (من ) الزائدة الاستغراقية تفيد الاستغراق والتوكيد نقول: ( ما حضر رجل) تعني: لم يحضر أي رجل ، لم يحضر أي فرد من هذا الجنس ويحتمل : لم يحضر رجل واحد بل اثنان أو أكثر ونقول: (ما حضر من رجل) تفيد استغراق الجنس كله، فهو نفي قاطع للحضور فلم يحضر أي أحد ولا مجال للاحتمال فالتعبير الأول تعبير احتمالي ، التعبير الثاني تعبير نصي قطعي * آية سبأ ليس الكلام فيها عن علم الغيب أصالة، الكلام في التعقيب على الساعة ، أما سورة يونس فالكلام أصلا عن سعة علم الله عز وجل ، وبيان مقدار إحاطة هذا العلم بكل شيء فسياق إحاطة علم الله بكل شيء هو الذي يقتضي التوكيد والإتيان بمن الاستغراقية ومثلها (من عمل) استغراق وعموم لا يستثني شيئا ـ في الأرض ولا في السماء ، في السموات ولا في الأرض آية سبأ تتحدث عن الساعة، والساعة إنما يأتي أمرها من السماء وتبدأ بأهل السماء: "ونفخ في الصور فصعق من في السموات ومن في الأرض" "ويوم ينفخ في الصور ففزع من في السموات والأرض" أما يونس فالكلام فيها على أهل الأرض فناسب أن يقدم المكان (الأرض) ـ ومثلها " إنّ الذينَ كَفَروا بِآياتِ الله لَهُم عَذابٌ شديدٌ والله عَزيزٌ ذو انتِقام إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء" كلام عن الذين كفروا ـ " وهُو الذي يُصَوّركم في الأرحام كَيف يشاء" كلام عن أهل الأرض " إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء" قدم الأرض ـ "رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ" ـ ابراهيم:38 "الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ" ـ ابراهيم:39 ـ وقال تعالى: "قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. يُعَذِّبُُ مَن يَشَاء وَيَرْحَمُ مَن يَشَاء وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ. وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ" ـالعنكبوت:22 تقديم الأرض ، وفيها إعجاز آخر إذ فيها إشارة إلى أنهم سيصعدون إلى السماء ولن يعجزوه حتى وهم هناك والسماء = 1 ـ كل ما علا حتى المطر والسحاب، وهي بهذا أوسع 2 ـ أو واحدة السموات نلحظ أنه في حالة الاستغراق والشمول جاء بالحالة الأوسع، اما الحالة التي لم يكن فيها استغراق جاء بحالة أخرى (سبأ) ـ أصغرَ ، أصغرُ في حالة الاستغراق جاءت (ولا اصغرَ) بالبناء على الفتح، وهذه اللا تسمى النافية للجنس (لا رجلَ حاضرٌ) تنفي جنس الرجال (لا رجلٌ) تحتمل نفي الجنس ونفي الوحدة، ومثلها مثل (ما) يقول النحاة ابتداء من الخليل: عندما تقول (لا رجلَ) كأنه جواب لسؤال : هل من رجل؟ تضمر من الاستغراقية فإن سألت : (هل من رجل؟) فجوابه: (لا رجلَ) وإن سألت: (هل رجلٌ؟) فجوابه: (لا رجلٌ) فالنافية للجنس هي أصلا تتضمن معنى (من) الاستغراقية فقال (أصغرَ) في يونس وهذا مناسب لوجود (من)، ويناسب الاستغراق لمواطن الاستغراق في بداية الآية (وما تتلو...) أما التي ليست للاستغراق جاء فيها (ولا اصغرُ) فجعل (أصغرُ) في غير موضع الاستغراق
وسارعوا إلى مغفرة ـ آل عمران والحديد (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ) (آل عمران:133) (سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) (الحديد:21) السماء والسموات السماء في اللغة وفي المدلول القرآني لها معنيان 1ـ واحدة السموات السبع، كقوله تعالى: "ولقد زَيّنا السّماءَ الدنيا بِمَصابيح " الملك، وقوله: "إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ" ـ الصافات:6 2ـ كل ما علا وارتفع عن الأرض ـ فسقف البيت في اللغة يسمى سماء، قال تعالى: " مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ" ـ الحج:15 يقول المفسرون : (أي ليمد حبلا إلى سقف بيته ثم ليخنق نفسه) فالسماء هنا بمعنى السقف ـ وقد تكون بمعنى السحاب: "أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا " ّالرعد:17 ـوقد تكون بمعنى المطر : " ينزل السماء عليكم مدرارا" نوح ـ وقد تكون بمعنى الفضاء والجو : "أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ" ـ النحل:79 ـ وقوله عن السحاب: "فيبسطه في السماء كيف يشاء" و ذكر هذا الارتفاع العالي : "فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ) (الأنعام:125) فالسماء كلمة واسعة جدا قد تكون بمعنى السحاب أو المطر أو الفضاء أو السقف مثال آخر: " وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَاباً مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ . لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ" ـ الحجر:15 فالإنسان إذا خرج من جو الأرض انتقل إلى ظلام فلا يبصر وبهذا تكون السموات جزءا من السماء ، لأن السماء كل ما علا وارتفع مما عدا الأرض، والسموات جزء منها بهذا المعنى الواسع الذي يشمل الفضاء والسقف والمطر والسحاب، فإن (السماء) تكون أوسع من (السموات) فهي تشملها وغيرها قال تعالى: " قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُوراً رَحِيماً) (الفرقان:6) وقال: "ربي يعلم القول في السماء والأرض" لأن القول أوسع من السر، فهو قد يكون سرا " وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ" ـ المجادلة: 8 وقد يكون جهرا فهو أوسع من السر والسر جزء منه فلما وسع قال (القول) وسع وقال (في السماء). ولما ضيق وقال (السر) قال (السموات) فبهذا المعنى الشامل تكون (السماء) أوسع بكثير من (السموات)، ولذلك لما قال (السموات) قال (عرضها السموات)، ولكن عندما اتسعت اتساعا هائلا جاء بأداة التشبيه (عرضها كعرض السماء) لأن المشبه به عادة أبلغ من المشبه، فهي لا تبلغ هذا المبلغ الواسع الذي يشمل كل شيء كلمة (السماء) تأتي عامة "والسماء بنيناها بأيد" ، "وفي السماء رزقكم وما توعدون" ، "أأمنتم من في السماء.." ثم تتسع لأشياء أخرى، فعندما يقول: "سبع سموات طباقا" فهي ليست الفضاء ولا السقف ولا السحاب، فعندما اتسعت قال (كعرض السماء) وعلى هذا بني التعبير كله في الآيتين أعدت للمتقين، أعدت للذين آمنوا عندما ضيق حددها للمتقين ثم وصفهم في الآيات التالية وعندما وسع عم القول ليسع الخلق (الذين آمنوا بالله ورسله) وهؤلاء المتقون جزء من الذين آمنوا، ولم يحدد عملا محددا لهؤلاء سابقوا، سارعوا ـ عندما قال (سارعوا) قال (عرضها السموات والأرض" وعندما قال (سابقوا) قال (كعرض السماء والأرض) ـ كثرة الخلق المتجهين لمكان واحد تقتضي المسابقة فإن قلوا اقتضى ذلك المسارعة فقط ، وليس المسابقة اتسع المكان فاتسع الخلق ، ذكر السماء التي تشمل السموات وزيادة ، وذكر الذين آمنوا بالله ورسله ووهي تشمل المتقين وزيادة ، ثم زاد وقال: "ذلك فضل الله لأن الفضل أوسع مما جاء في آل عمران بل الفضل واضح إذ جاءت عامة وكذلك لو لاحظنا الناحية الفنية لرأينا وضع كل واحدة يناسب ما هي فيه، ففي سورة الحديد تتكرر عبارات (آمنوا بالله) و(الفضل العظيم) و(يضاعف لهم) ففيها تفضلات كثيرة وكذلك وضع الواو في سارعوا ، آية آل عمران فيها تعاطفات، أما الأخرى فبلا عطف كذلك وضع الواو في سارعوا ، آية آل عمران فيها تعاطفات، أما الأخرى فبلا عطف وفي أل عمران نرى المتقينوالأمر بالتقوى يتكرر عدة مرات
ـ الفرق في المعنى بين اللفظين: يُنزِفون، يُنزَفون * ينزِفون من (أنزَفَ) ، وهذا الفعل له معنيان: الأول ـ أنزَف يُنزِف بمعنى سَكَر. والثاني بمعنى نفد شرابه وانقطع. يقال: أنزف القوم أي نفد شرابهم، وهو فعل لازم غير متعد ومعنى الآية أن شرابهم لا ينفد، وهم لا يسكرون عنه * ينزَفون (المبني للمجهول) من نُزَف ينزَف معناه سَكَر وذهب عقله من السكر، وهو فعل متعد. ومعنى الآية أن شربهم خمر الجنة لا يذهب بعقولهم ـ لماذا اختار القرآن وضع هذا اللفظ هنا وذاك هناك؟ وهل يجوز التبادل بينهما خاصة وأن الفارق لا يتعدى حركة واحدة؟ * سورة الواقعة كانت في وصف نعيم السابقين، وهذه هي الآيات بتمامها " وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ . أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ . فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ . ثُلَّةٌ مِّنَ الْأَوَّلِينَ . وَقَلِيلٌ مِّنَ الْآخِرِينَ . عَلَى سُرُرٍ مَّوْضُونَةٍ . مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ . يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ . بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ . لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنزِفُونَ . وَفَاكِهَةٍ مِّمَّا يَتَخَيَّرُونَ . وَلَحْمِ طَيْرٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ . وَحُورٌ عِينٌ . كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ . جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ . لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا . إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا " * الثانية في وصف عباد الله المخلصين عند استثنائهم من العذاب الأليم وهذه آيات سورة الصافات " إِنَّكُمْ لَذَائِقُو الْعَذَابِ الْأَلِيمِ . وَمَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ . إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ . أُوْلَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَّعْلُومٌ . فَوَاكِهُ وَهُم مُّكْرَمُونَ . فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ . عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ . يُطَافُ عَلَيْهِم بِكَأْسٍ مِن مَّعِينٍ . بَيْضَاء لَذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ . لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ . وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ . كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَّكْنُونٌ . " تقدم آيات السورتين وصفا رائعا لخمر الجنة ونساء الجنة وتبين ما بهما من صفات ليست في خمر الدنيا ولا نسائها ، لتنفر من الدنيا وترغب في الآخرة ولكن تتناول الآيتان صنفين من أصناف المؤمنين وتبين ما أعد لهم في الآخرة الصنف الأول الذين تحدثت عنهم آيات الواقعة هم السابقون ، وهؤلاء هم ذوو أعلى الدرجات لا يفوقهم غيرهم والصنف الثاني الذين تحدثت عنهم آيات الصافات هم الآخرون وهم أقل منزلة فإن كل سابق مخلَص، أما المخلَصون عامة فليسوا كلهم من السابقين بل منهم سابقون ومنهم متأخرون أدى هذا الاختلاف في الحديث عن أصناف المؤمنين إلى الاختلاف في وصف جزاء كل فريق ـ فقال عن الآخرين: (لهم رزق معلوم فواكه)، أما السابقون فقال عنهم: " وفاكهة مما يتخيرون ولحم طير مما يشتهون" فأضاف منحهم الحرية في اختيار ما يرغبون كما أضاف ذكر لحم الطير إلى ما أعد لهم فيها. كما إن كلمة (فاكهة) اسم جنس فهي أعم وأوسع من كلمة الفواكه التي تطلق على الأنواع فقط، بينما اسم الجنس يطلق على الأنواع وعلى النوع الواحد، وقال "مما يتخيرون" ليؤكد تعدد الأنواع ـ وقال في الصافات (وهم مكرمون في جنات النعيم)، وقال في الواقعة (أولئك المقربون في جنات النعيم) ولا شك أن التقريب هو إكرام وزيادة ـ وقال في الصافات (على سرر متقابلين)، وفي الواقعة قال: (على سرر موضونة متكئين عليها متقابلين) والموضونة هي المنسوجة المشبكة بما يسر الناظر ، فزاد في ذكر وصفه حسن فيها وأضاف الاتكاء والتقابل على السرر للسابقين فكان تنعمهم أكثر، ولم يذكر هذا الاتكاء ولا صفة السرر في الصافات ـ وقال في الصافات : (يطاف عليهم ..) بالفعل المبني للمجهول، أما في الواقعة فقال: (يطوف عليهم ولدان مخلدون) فذكر الطائفين اذين يطوفون على المقربين ـ وقال في الصافات: (بكأس من معين)، وقال في الواقعة: (بأكواب وأباريق وكأس من معين) فزاد ذكرالأكواب والأباريق ، وتنوع الأواني يدل على تنوع الأشربة ـ وقال في الصافات: (لا فيها غوْلٌ ولا هم عنها ينزَفونَ) وقال في الواقعة: (لا يُصَدّعونَ عنها ولا يُنزِفون) الغوْل كما يفسره أهل اللغة : إما الإفساد والإهلاك أي تغتال ا لجسم وتهلكه، أو تغتال العقول. فهي تدل على معنيين: لا تفسد الجسم ولا تهلكه. أو لا تغتال عقل الشاربين (يصدعون) أي لا يصيبهم الصداع منها ونفي الغول إن كان بمعنى عدم هلاك الجسم فإنه لا ينفي الصداع، فنفي الأكثر لا يدل على نفي الأقل، كما لو قلنا: (هذا شراب لا يميت) فلا ننفي عنه التسبب فيما هو دون الموت ولكن ما دامت خمرة المقربين وصفت بأنها لا تصيب بالصداع فقد نفت أقل الأذى ، فهي قطعا ومن باب أولى لا تتسبب فيما هو أكثر ، فنفي الغول لا ينفي الصداع لكن نفي الصداع ينفي الغول وإذا كان المقصود بالغول (السكر واغتيال العقول) فيكون (لا فيها غول) و (ولا هم عنها ينزفون) بمعنى واحد ، لأن الغول هو اغتيال العقول ، وينزفون هو السكر، فهما شيء واحد ولكن أحدهما وصف للخمرة ، والآخر وصف للشارب، وكلها تدل على أنها لا تسكر بينما سورة الواقعة تقول: (لا يصدعون عنها) فهي تنفي ما يتعلق بالغول، وتقول (ولا ينزفون) أي لا تسكر ولا ينقطع الشراب، فالتكريم هنا أعلى جريا على آيات الواقعة التي تدل على الوصف الأكمل والأفضل لنعيم السابقين ـ وقال تعالى في الصافات: (وعندهم قاصرات الطرف عين) فذكر صفة واحدة من الصفات الجسدية وهي (عين) أي واسعة العينين في جمال وقال في الواقعة : (وحور عين) فأضاف الحور وهو البياض إلى العين (سعة العيون مع الجمال) ـ وفي الصافات قال: (كأنهن بيض مكنون)، وفي الواقعة: ( كأمثال اللؤلؤ المكنون) ولا شك أن اللؤلؤ أعلى وأقرب للنفس والقلب من البيض ، فهنا أيضا مان وصف ما أعد للسابقين أعلى ـ ثم قال في الواقعة: "لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما. إلا قيلا سلاما سلاما" فنفى سماع الرديء وأثبت الحسن (سلاما سلاما) ولم يقل في الصافات مثل هذا * و (ينزِفون) بالبناء للمعلوم تناسب الواقعة بكل ما فيها ، و(ينزَفون) المجهول ناسب سياق الصافات وناسب (ينزِفون) المبني للمعلوم (يطوف عليهم ولدان) المبني للمعلوم أيضا، وناسب (ينزَفون) المبني للمجهول (يطاف عليهم) المبني للمجهول في الصافات ** إجمال: في الواقعة نرى التقريب (وهو الإكرام وزيادة) ، وذكر السرر وزيادة وهي صفة (موضونة)، وذكر التقابل وزيادة وهي الاتكاء، وذكر الطواف وزيادة (الطائفون ولدان مخلدون)، وذكر الكأس وزيادة وهي الأكواب والأباريق، وذكر العين وزيادة وهي الحور، ونفي السكر وزيادة وهي عدم النفاد، وزاد نفي اللغو والتأثيم وأثبت الحسن من القول.. كل هذا للسابقين المقربين
"فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلَاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ" (15) ذكر الفدية لأنه تكرر في السورة ذكر الإنفاق والدعوة إليه وذكر القرض الحسن والبخل والذين يأمرون به فقال: "فاليوم لا يؤخذ منكم فدية" وقد كان بإمكانكم أن تفدوا أنفسكم في الدنيا بالإنفاق في سبيل الله فلم تفعلوا، والظاهر أن الفدية ههنا تعني المال وإن كانت الفدية عامة في كل ما يفتدى به فقد قال تعالى: "ففدية من صيام أو صدقة أو نسك" البقرة 196 غير أن الذي يرجح معنى المال قوله "لا يؤخذ" ولم يقل (ولا تقبل) والذي يؤخذ هو المال وهو المناسب لجو السورة وما شاع فيها من ذكر للإنفاق والقرض الحسن والله أعلم. وقال "لا يؤخذ منكم فدية ولا من الذين كفروا" مع أن المنافقين من الذين كفروا، ذلك أن المقصود بـ "الذين كفروا" هم الكافرون من غير المنافقين وهم الذين أظهروا كفرهم ولم يستروه[1]، فلا تؤخذ الفدية لا من المنافقين ولا من سائر الكافرين الآخرين. "مأواكم النار" أي هي دار إقامتكم والمأوى الذي تأوون إليه، والمأوى يعني الملجأ والمكان الذي يحتمى به، فالنار ملجؤهم الذي يأوون إليه. *** "هي مولاكم" أي هي التي تتولى أمركم فذكر المأوى والمولى، ذلك أن الشر إنما يأتيهم من جهتين: المأوى والمولى. فقد يكون المأوى سيئا غير أن المولى حسن، وقد يكطون العكس، أما هؤلاء فالنار مأواهم ومولاهم. وقيل إن معنى "هي مولاكم": "هي أولى بكم ... وحقيقة مولاكم محراكم ومقمنكم أي مكانكم الذي يقال فيه هو أولى بكم.. ويجوز أن يراد هي ناصركم أي لا ناصر لكم غيرها، والمراد نفي الناصر على الثبات، ونحوه قولهم (أصيب فلان بكذا فاستنصر الجزع) ومن قوله تعالى "يغاثوا بماء كالمهل". وقيل: تتولاكم كما توليتم في الدنيا أعمال أهل النار" [2] ويجوز أن يكون اشتقاق (المولى) من الولْي وهو القرب، فيكون معنى مولاكم أي مكانكم عن قرب[3]. والمعنيان مرادان فهي تتولى أمرهم، وهي مكانهم عن قرب، ولم يرد في جهنم (هي مولاكم) إلا في هذا الموطن، وذلك لسببين والله أعلم: السبب الأول أنه ذكر في آية الحديد هذه أن المنافقين تربصوا وغرتهم الأماني حتى الموت فبعد طول الأمل والتربص الطويل كانت النار أقرب إليهم فهم كانوا يستبعدونها وهي أقرب إليهم وأدنى من آمالهم. والسبب الآخر أن كل الآيات الأخرى التي ورد فيها "مأواه جهنم وبئس المصير" ونحوها إنما قيلت وهم في الدنيا، والدنيا لا تزال غير منقضية، وأما هذا القول فإنه قيل وهم في الآخرة وقد ضرب السور بينهم وبين المؤمنين، وأتاهم العذاب من قبله فالنار قريبة منهم فقال: "هي مولاكم". *** "وبئس المصير" وهذه أنسب خاتمة لهم، فقد كانوا في ترقبهم وأمانيهم ينتظرون المصير الحسن والمستقبل المشرق، فكانت لهم الظلمة والمصير الأسوأ. إن هذه الآيات يتجلى فيها إكرام المؤمنين وإبعاد النصَب عنهم بخلاف المنافقين فإنما يتجلى فيها إرهاقهم وإهانتهم والتهكم بهم. فقد قال في المؤمنين 1 ـ (يسعى نورهم): ولم يقل (يمشي نورهم) للدلالة على الإسراع بهم إلى الجنة، وهذا إكرام فإن الإبطاء إلى السعادة ليس كالإسراع إليها، وفي الإسراع ما فيه من الإكرام. 2 ـ أنه تعالى أسند السعي إلى النور ولم يسنده إليهم فلم يقل (يسعون) لأن السعي قد يجهدهم، فأسنده إلى النور فدل على أنه يسعى بهم، فهو لم يقل إنهم يمشون، لأن المشي قد يكون فيه إبطاء، ولم يقل يسعون، لأن سعيهم قد يكون فيه إجهاد، ولكنه أفاد السعي من ذكر سعي النور. 3 ـ قال يسعى نورهم، فذكر الفاعل ولم يقل (يُسعى بهم) بالبناء للمجهول وحذف الفاعل فلا يُدرى أيسعون في ظلمة أم في نور، فذكر أن لهم نورا يسعى. 4 ـ أضاف النور إليهم، وهذا فيه أمران: الأول الدلالة على أن هذا النور إنما هو نور المؤمن، وهو يدل على قدر عمله. فهو إهابة بالمؤمن ليعظم نوره ويكثره. ومن ناحية أخرى لم يقل (يسعى النور) فيجعله عاما يستضيء به المنافقون، فجعل لكل مؤمن نوره الذي يستضيء به فلا يشاركه فيه غيره، وهذا إكرام للمؤمنين وحسرة على المنافقين. 5 ـ قال (بين أيديهم) ومعنى (بين أيديهم) أمامهم، غير أنه لم يقل (أمامهم) لأن الأمام قد يكون بعيدا عن الشخص، فقد تسأل عن قرية فيقال: هي أمامك، وقد يكون النور أمامك و لا تتمكن من الاستضاءة به لبعده فقال (بين أيديهم). 6 ـ وقال (وبأيمانهم) ولم يقل (عن أيمانهم) لأن معنى بأيمانهم أنه ملتصق بالأيمان وليس مبتعدا عنها كما قال تعالى: "وما تلك بيمينك يا موسى17" طه، ولو قال (عن أيمانهم) لدل أنه متراخٍ عن أيمانهم أو منحرف عنها لأن (عن) تفيد المجاوزة، والباء تفيد الإلصاق. 7 ـ قال (بشراكم)، ولم يقل (يقال لهم بشراكم) لأنه أراد ن يجعل المشهد حاضرا ليس غائبا، يُسمع فيه التبشير ولا يُنقل. 8 ـ وأضاف البشرى إلى ضمير المخاطبين لتنال البشرى كل واحد، ولم يقل (البشرى جنات) وهو إكرام آخر. 9 ـ وقال (اليوم) للدلالة على قرب البشرى، وأنها ليست من الوعد البعيد الوقوع، والبشرى كلما كانت أقرب كانت أحب وأدعى إلى المسرة. 10 ـ وقال (جنات) ولم يقل (جنة) للدلالة على أن لكل منهم جنة أو أكثر كما قال تعالى: "ولمن خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى" النازعات. 11 ـ قال: "تجري من تحتها الأنهار" ولم يقل (فيها أنهار) وذلك للدلالة على أنها جارية وليست راكدة، والركود مظنة الأسون، هذا إضافة إلى التمتع بمشهد الجري، ولذلك عندما لم يذكر الجري في قوله: "فيها أنهار من ماء15" محمد. قال (غير آسن) لينفي عنها صفة الأسون، ولما ذكر الجري لم يذكر ذلك لأنه لا حاجة إليه. 12 ـ وقال (الأنهار) ولم يقل (نهر) للدلالة على كثرة الأنهار. 13 ـ قال (خالدين) وهي بشرى أخرى، وقال (فيها) للدلالة على أن الخلود في الجنات وليست الجنة مرحلة أو مكانا ينتقلون منه إلى ما هو أقل سعادة. 14 ـ قال (ذلك هو الفوز العظيم) ولم يقل (ذلك فوز عظيم) وإنما عرف الفوز بأل للدلالة على القصر وعلى أنه لا فوز أعظم منه، ثم جاء بضمير الفصل للزيادة في التوكيد. ثم إن الأمر يعظم ويكبر بعظم قائله فإن الفوز الذي يذكره طفل أو رجل من ضعفة الناس يختلف عن الفوز الذي يذكره قائد أو ملك. فكيف وقد ذكره ملك الملوك ووصفه بالعظمة وقصره وأكده؟ 15 ـ ذكر أن المنافقين يقولون (انظرونا) ولم يقولوا (انتظرونا) فإنهم يدركون أنهم لا يسعهم الانتظار، وإنما طلبوا منهم مهلة قصيرة لينظروهم أي ينتظروهم. وفي هذا دلالة على الإسراع بهم إلى الخير والسعادة، فإن الذي يسرع به إلى الخير والسعادة أكرم من الذي يبطأ به. 16 ـ ثم قال (نقتبس) ولم يقل (نقبس) والاقتباس أكثر من القبس، وذلك يدل على عظم النور الذي عندهم. 17 ـ قال (من نوركم) ولم يقل (من النور) وهذا تكريم آخر فإن النور نورهم. 18 ـ قال (قيل ارجعوا) ولم يقل (قالوا) لأنه أراد ألا ينشغلوا بما لا فائدة فيه من الكلام فتكلم الملائكة أو غيرهم بالنيابة عنهم ولم يشغلوهم بالكلام هما هو أهم، ولم يرهقوهم بكثرة القيل. 19 ـ قال (فضرب بينهم بسور) فحجزوهم عن أولئك السائلين المنافقين. 20 ـ ثم قال (له باب) للدلالة على أنهم غير محتجزين فيه، وإنما ينفذون منه إلى مرادهم. 21 ـ ثم قال (باطنه فيه الرحمة) وهو تكريم آخر وكيف لا وهم في رحمة الله؟ أما دلالتها على إهانة المنافقين وإرهاقهم فهو أو ضح ما يكون: 1ـ فقد ذكر أن المنافقين والمنافقات يطلبون من المؤمنين أن ينظروهم للاقتباس من نورهم، وهذا يدل على أنهم في ظلمة، وقد قيل إنهم أعطي لهم نور ثم انطفأ[4] من باب إهانتهم وخديعتهم والاستهزاء بهم كما كانوا يخادعون ويستهزئون في الدنيا. قال تعالى: "إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم " النساء 142 جاء في تفسير ابن كثير: "ويقول المنافقون للذين آمنوا "انظرونا نقتبس من نوركم قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا" وهي خدعة الله التي خدع بها المنافقين حيث قال "يخادعون الله وهو خادعهم" فيرجعون إلى المكان الذي قسم فيه النور فلا يجدون شيئا فينصرفون إليهم وقد ضرب بينهم بسور له باب"[5] 2 ـ وقال (قيل ارجعوا) ولم يذكر أن المؤمنين ردوا عليهم، فبنى الفعل لمجهول، وقيل إن القائل هم الملائكة، فهم الذين تولوا الرد عليهم، أما المؤمنون فلا يعنيهم هذا الطلب وإنما هم مشغولون بما هو أهم، وهذا إهانة للمنافقين أن يطلبوا من المؤمنين فلا يجيبوهم وإنما يجيبهم آخرون. 3 ـ وقال (ارجعوا) وهو إهانة أخرى. 4 ـ وقال (وراؤكم) وهو إما أن يكون ظرفا مؤكدا أو يكون اسم فعل بمعنى (ارجعوا) فيكون كأنه قيل لهم: ارجعوا ارجعوا، وهو إهانة ظاهرة. 5 ـ قال (فالتمسوا نورا) وهم يعلمون أن ليس ثمة نور، وهو من باب الاستهزاء بهم. 6 ـ وقال (فضرب بينهم بسور له باب) فحجزوهم عن اللحاق بالمؤمنين وهو إهانة ظاهرة. 7 ـ وقال (وظاهره من قبله العذاب) وهي جهتهم. 8 ـ وقال (ينادونهم ألم نكن معكم) فذكر أنه يرفعون أصواتهم من وراء السور ينادون المؤمنين ليلتحقوا بهم، ولكن حيل بينهم وبين ما يريدون. 9 ـ وفي رد المؤمنين عليهم إهانات متعددة، فقولهم لهم: إنكم فتنتم أنفسكم، وتربصتم، وارتبتم، وغرتكم الأماني، وغركم بالله الغرور، كل خصلة منهن إهانة وتبكيت. 10 ـ قوله تعالى: "فاليوم لا يؤخذ منكم فدية ولا من الذين كفروا"و "مأواكم النار" "هي مولاكم" "وبئس المصير" كله إهانات وإخبار لهم بما سيلاقونه من سوء العاقبة والمنقلب، نعوذ بالله. " أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (16) اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (17) *** "أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ" (يأني) مضارع (أنى) ومعنى (أنى) حان ونضج، و(ألم يأن للذين آمنوا) معناه ألم يحن لهم ذلك؟










